أحوج الناس إلى صحبة شيخ التربية

الثلثاء 12 مارس 2019, بقلم المدني


بسم الله الرحمن الرحيم

الشيخ سيدي محمد المدني

تُعَد هذه الرسالة من بدائع الفكر المدني ولطائفه وفيها استنباط قويٌّ حَولَ حاجة الناس إلى التربية الروحية التي تباين تلقين العلوم وتَعليم الأعمال. وهي في الأصل مذاكرة شفوية صيغت في مدينة القيروان الذي كان يزورها الشيخ أحيانًا. 

1. من أحوج الناس إلى صحبة شيخ التربية؟

2. هذَا السؤالُ وَرَدَ بحضرَة جَماعةٍ من العلماء الأجلّةِ. وكانوا كلُّهم من جَماعَة أهل السنَّة، يُحبّونَ مشائخَ السَّادَة الصوفية، ويَعتَبرونهم الخاصَّةَ العليا من الأمّة المحمدية بعدَ الصَّحابَة، رضوانُ الله عليهم. ويَرونَ أنَّ صحبةَ شيخ التربية لا بدَّ منها. فكان لهذا السؤال وقعٌ عَظيمٌ بين أولئك الأعلام، فَأجاب كلٌّ بما ظَهَرَ له في ذلك الوقتِ. والكلُّ عَلى صَوابٍ، إن شاءَ الله.

3. فَمِنهم مَن قال: إنَّ أحوجَ الناس لصحبة شيخ التربية هو الرُّجُل الأمِّي، لأنَّه في غاية الاحتياج للتعلم ولِما يُزيح به أثقال جَهْلِهِ عن كَاهل عَقْله، حتى يَسيرَ لِحَضرة ربِّه. ومنهم من قال: إنَّ أحوجَ الناس لصحبة شيخ التربية هو الرجل العالِم الذي لم يَعمل بِعلمه، فَهو الرجل المغرورُ، والذي يَلزمه أن يَلجَأَ لصحبة الرِّجال العاملين، فَيَقتدي بعِلمهم، وبذلك يُدَاوي ما ألمَّ به من ألم التقصير والإدبار عن العَمَل الصَّالح.

4. وكان جوابُ هَذا العبد (أي : الشيخ محمد المَدَني) أنَّ شيخَ التَّربية يَحتَاجُ لِصُحبَته كلُّ أحدٍ مِن أيِّ طَبَقَةٍ كان. ولكنْ أحوجُ الناس لِصُحْبَته هو الرَّجُل العالِمُ العَامِلُ بعلمه. فَوقع هذا الجواب من الجماعة موقعَ الاستغراب والتَّعَجُّب. ولهم العذرُ في ذلك، إذ مَن يظنُّ أنَّ الرجلَ بَعدما تَعَلَّم ما يَجبُ عليه، وعَمل بذلك ما استطاع، يَبقى مُحتاجًا لمصاحَبَة مَن يرشده إلى الطريق الجادة؟ 

5. فقلتُ للجَماعة: يَلزمنا، قَبلَ كلِّ شَيءٍ، النَّظر إلى الحقائق، لا إلى ظَواهر الأمور ومَغشيها. ولْنَعلمْ أنَّ شيخَ التربية إنما يُراد ويُقصَد لا ليتعلم منه العلوم الظاهرة، كَالفِقه ونَحوه، ولا لِيُتَعلم منه الأعمالُ، أي: لا يُقصَد لذلك فقط. بل المَقصد الأهمُّ مِن صُحبَته هو مُداواةُ القُلوب من أمراضها الباطنية، كَالإعجاب بالنفس والكبرياء وغير ذلك. فَالمقصود من صحبة شيخ التربية هو تنقية النفس وتَطهير القلوبِ من أدْوائِها الخَفيَّةوأنَّ إلَى رَبّكَ المُنْتَهَى” (النجم : 42) بَعدَ ذلك.

6. وبَيانُ ذلكَ، أننا إذا نَظَرنا نظرةً سَطحيَّة للمُعجَبين بأنفسهم، حَسَبَما يظهر للعُموم، ما رأينا منهم إلا صاحبَ الثروة الدنيوية والمال الكثير، ذلكَ الذي يَتَجَسَّم فيه الإعجاب بالنفس، ويظهر منه الكبرياء على الضُّعفاء وذوي الإقلال (أي: الفقر). غَيرَ أنّه إذا دَخَلَ عليه أحدُ العلماء المُجَرَّدين عن العَمل، وتَجالسا على بساط المذاكرة والمُحاورة، أصغَيْنا نحن بقلوبنا إلى ما تَهمس به أصوات قَلبَيْهما، سَمعنا منهما حديثًا كله حقائق، لا نكرانَ لشيء منها.

7. ذلكَ أنَّ صاحب المَال يقول: وإن كنت صاحب ثراء وَجِدة، غيرَ أنَّ ذلك عَرَضٌ رَاحلٌ ونَعيمٌ زائل، وما الشرف الأثيل إلا لمثل هذا العالم الجليل. ويَلوح لنا أنَّ أنفه الذي كان شامخًا به على الأتراب صارَ مُنحنيًّا نَحوَ التراب.

8. ونَسمع حديثًا من نفس ذلك العالم المتجرد يقول فيه وهو يشير لصاحب المال: ما هذا إلا رجلٌ جاهلٌ، لا يَعرف كوعَه من بوعه. أما أنا، ويقابل السماء بجبهته، فَيَكفيني شَرَفُ العلم. ولربما يزيد قوله: “ولا أرْضاه مَسّاحًا لنعلي”.

9. فإذا الإعجاب مُتَجَسِّم في ذلك العالم المتجرد، والتواضعُ نَزَلَ بصاحب المال إلى منتهاه. وبينما هما كذلك في هاته الحال، وحديثُ القُلوبِ حقائق لا مَنَاصَ منها، إذ دَخَل عليهما عالمٌ عَامل وتقيٌّ كامل. وبعد السلام، جَلَسَ وأخذ يُحاورهما، فَتَجَرَّدنا نحن أيضا عن الحس وأخذنا نَسمع حديث النَّفس، فأصغينا إلى ذلك العالم المتجرد وقد تبدلت لهجتُهُ، ونَزَلت جبهتُه وهو يناجي نفسه: هذا هو الإمام الجليل والعَالم النبيل الذي امتنَّ الله عليه بالعمل وبلوغ الأمل، وهو يشير إلى صاحبه الداخل، أما أنا، ويشير لنفسه فما هي إلا نَزغَةٌ شيطانية فيَّ، وما علمي إلا حجة قائمة عليَّ. يَنطبق عليَّ مثلي قوله تعالى:“يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون” (الصف: 2). فإذَا ذلكَ الإعجابُ الذي كان لَه مع صَاحب الثراء، قد انتَفَض مع ناصيته، وحلَّ مَحَله التواضعُ والتنازلُ والاعتراف لصاحب الفضيلة بالفَضيلة.

10. فَأصغَيْنا بعد ذلك إلى حديث ذلك العالم التقي والعامل النقيّ وقد كاد يجهر به يسمعه حتى البعيد عنه وهو يقول وقد انتقل له الإعجاب: ما هذا؟، وهو يشير لصاحبه، إلاَّ عَالِمٌ متجرِّدٌ. والعلمُ بلا عَمَلٍ باطلٌ، ضَرَرُه أقرَبُ مِن نَفعِه. ومَا العَالم شرعًا إلاَّ مَن عَمِلَ بِعمله.

11. ثم يرفع برأسه ويشمخ بأنفه قائلا: أنا رجلٌ عَملتُ بما عَلِمتُ. فَجَمعت فضيلةَ العلم والعمل. وما هاته إلا دَرَجَة عالية، وأحوال عزيزَةٌ وغَالية. تَجَمَّلتُ بها، وقد فزت على الإخوان، وسبقتُ الأقرانَ. فإذا به قد ارتَفَع إلى الثريا، وَوَضع مَن جَالَسَه تحت الثرى، وإذا هو ملتحف برداء الكبرياء، متزرٌ بالإعجاب. وهما مَرَضان عضالان من أمراض القلوب التي تحتاج إلى طبيب ماهر يُداويها حتى تصبحَ طاهرةً زكيَّةً.

12. فَاستَحسن الجماعةُ هذا الجوابَ بعد أن كانوا منه في استعجابٍ واستغرابٍ. وعَلموا أنَّ الحقائق القلبيَّة لا دَفعَ لها. فَقال أحد أولئك الجماعة الأعلام: قد حضرني على هذا الجواب دليل وهو قصة موسى عليه السلام فإنه عندما قال: ما على وجه الأرض مَن هو أعلم مني قال له تعالى: ’’بل عبدي خضر أعلم منك’’ فطلب موسى الخضر حتى وجده فقال له: “ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا” (الكهف:66)، إلى آخر ما حَكَاه القرآنُ من قصَّة مُوسى مع الخَضِر، عَليهما السلام.

13. فقال آخَرُ من أولئك الجماعة أيضا: يؤيد ما ذَكَرتموه ما وقع لسيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه، فإنه لما أتمَّ فتحَ فارس والعراق، حَجَّ البيتَ العتيقَ شكرًا لله على ما أولاه من الفتوحات. وكان حَجُّه خفيَةً من جيشه الفاتح، حتى لا يختلَّ نظامه بعد مَغيبه. فَسمعَ الخليفة الصدّيقُ بما كان من خالد من الحَجِّ خفيةً بعد إتمام الفتوحات، فخاف عليه الإعجاب بنفسه بسبب ما أتيح له من النَصر والظفر، فكتب له كتابًا يقول له فيه: “فأتْمِم يتمُّ الله عليك، ولا يَدخُلَنَّكَ عَجب فتَخسَرَ وتُخذلَ. وإياك أن تدليَ بعمل فإنَّ اللهَ، عَزَّ وجلّ، له المنُّ وهو وَليُّ الجَزَاء”.

14. هذه جملة من كتاب بعثه الصديق إلى خالد ابن الوليد، يَعظه فيه، ويُحَذِّره الإعجاب بالنفس الذي عاقِبَتُه الخسران. وما ألصقَ الإعجابَ والرّياءَ بالعَاملين. وقل لي، بارك الله فيك، ما هي نسبة العالم العامل من خالد بن الوليد، رضي الله عنه؟ فقد تَفَرَّس الخليفة الصديق، وفراسةُ المؤمن بنور الله، أنه ربما يدخله إعجاب بنفسه، فَدَاوَاهُ بكتابه الكريم، فكانَ كَالمِرهَم على الجُرح. 

15. فقلت لهم: “ويؤيد ذلك أيضا ما أوصى به الخليفة الصديق، رضي الله، عنه عَمرَو بن العاص، عندما بعثه لأهل فلسطينَ في ثلاثة آلاف. فكان من جملة ما أوصاه به:”واعلَمْ يا عَمرو أنَّ مَعكَ المهاجرين والأنصارَ، من أهل بدرٍ، فَأكرمهم واعرف حَقَّهم، ولا تتطاولْ عليهم بسُلطانكَ، ولا تداخلك نشوة الشيطان، فتقول: ولّاني أبو بكرٍ، لأنِّي خَيرُهم. وإياك وخدائعَ النفس. هذا عمرو بن العاص الذي لا يُجهلُ مقامَه. وقد ظهر للصديق أن يحذره من نخوة الشيطان وخدائع النفس لأن هذه الأمراض تلتصق بالعامِلين أكثر. ومَنزلةُ الخلفاء الراشدين من الصحابة تُشبهها منزلةُ التربية من المريدين، فإنَّ الخلافَةَ كانت إلى النبوءة والأمور الأخروية أقرَبُ منها إلى المُلك والأمور الدنيوية.

16. هذا ما دار في ذلك الجمع الحافل بين أولئك العلماء الأعلام، ثم تَفَرَّقوا و كلهم ألسنة تَلهج بالثناء على هذا الموضوع والسلام. فَكتبتُ ذلك الحديث تقييدًا للعلم وضبطًا للفوائد حتى ينتفع بها أهل الخير والصلاح بدون أن تهمل بلا قيدٍ، فَيَنسفها الهواء وتذروها الرياح والله، تعالى، ولي التوفيق والهادي لأقوم طريق. اه.

الشيخ محمد المدني. 
تحقيق ن. المدني
10 مارس 2019.




أرسل رسالة

Facebook
Madaniyya Page Facebook

Visiteurs connectés : 9

الطريقة المدنية | للاتصال | محتوى الموقع | Youtube
TUNISIA: Tunis: +216 22 55 74 30 | FRANCE : Paris: +33 6 77 83 52 99 | Lyon: +33 6 95 42 30 93 | Grenoble: +33 6 63 12 78 30 | Le Havre +33 6 13 95 21 24 | UK: London: +44 7533 741 559 | US: New York: (1-646)799-3463