الجَواهِر الحِسان فيما ورد عليَّ بتلمسان

الاثنين 26 جوان 2017, بقلم المدني


تَعرَّف سيِّدي الشيخ مُحمد المدنيّ، رَحمَهُ الله،عَلَى سيدي الشيخ أحمد العلاوي، في حدود سَنَة 1905 أثناء زيارتِهِ إلى تونس العاصمة لطبع كتابه: “المِنَح القدُّوسية”.فلما رأى الشاب محمد المدني منه غَزارَةَ الأفهام الربّانية التي يستقيها من الأحكام الفقهيَّة عَلِمَ أنَّ الرَّجلَ من كبار القوم، فَقَرَّر ملازمته والتوجُّهَ إلَيه، ثم زاره بَعد ذلكَ في الجزائر للتجرُّد أي تلقي التربية الروحية من خلال الملازمة والخِدمة.

الشيخ سيدي محمد المدني {JPEG}

وهناكَ، طلبَ منه شيخه أحمد العلاوي أن يكون تَجَرُّدُه للعلم، وخدمتُه في التدريس، وذلكَ لعلوِّ كَعْبِهِ في العلوم الشرعيَّة، فَأرْسَلَهُ إلى مَدينة تلمسانَ لِيُدَرِّسَ في مسجدها العلومَ الدينية. وكان ممَّا دَرَّسَهُ آنذاكَ متن الجوهر المكنون في الثلاثة فنون في البلاغة للشيخ عبد الرحمن الأخضري. وهو عالم مالكي من بسكرة الجزائرية (1512-1545) وقد كان عالما وشاعرا، مارسَ المعقول والمنقول. تعلم على يد أبي يحيى بن عقبة في قفصة وقطن تونس وأخذ بها عن أبي عبد الله القلجاني. وكانَ يوصف بالاجتهاد المطلق ولكنه يفتي بمذهب مالك. تقدم في علوم العربية والمنطق وشارك في الفضائل وتصدر للتدريس والإفتاء وانتفع به الفضلاء وكان متين الديانة زاهداً ورعاً تام العقل مهاباً.

المباركة أن الشيخَ المدني شرحَ هذا المتن الجامع لعلوم البلاغة بأقسامها الثلاثة (البيان والمعاني والبديع) وسماه: الجواهر الحِسان فيما وَرَدَ عليَّ بتلمسان. ولسوء الحظِّ، لم يَبق من هذا الشرح إلاَّ صفحات قليلة، تَقادم عهدُها وسَنقوم بنشرها بحول الله ليُعْلَمَ مدى تبحّر الشيخ المدني في علوم الآلة، ومدى إجلال الشيخ العلاوي له وإدراكه لعلمهِ وتعاونهما لنَشر التصوّف الشرعيّ والعلوم الدينية في مرحلة حرجة من تاريخ العالم الإسلامي.

ن. المدني، 27 أفريل 2014.

الجواهر الحِسان فيما وَرَدَ عليَّ بتلمسان

المقدمة

1. الفَصاحة لها مَعنَيان:
2. معنًى في اللغة ومعنى في الاصطلاح.
3. أما معناها في اللغة فهي تدل على الظهور والإبانة وأمَّا معناها في الاصطلاح فهي صِفَةٌ يَختلف معناها باختلاف موصوفها، وموصوفها ثلاثة أمور وهي:
4. الكلمة والكلام والمتكلم.
5. وقد أشار المصنف إلى تعريفها في الكلمة فقال:
فَصَاحَةُ الْمُفْرَدِ أَنْ يَخْلُصَ مِنْ تَنَافُرٍ غَرَابَةٍ خُلْفٍ زُكِنْ
يعني أنَّ الفصاحة في الكلمة عبارة عن خلوصها من ثلاثة أمور وهي التنافر والغرابة ومخالفة القياس.
6. أما التنافر فهو وصفٌ يوجب عسرَ النطق بالكلمة وهو قسمان متناهٍ في الثقل وغير متناهٍ. فالمتناهي كقول بعضهم :“تركتها ترعى الخُعخع” حينما سئل عن ناقته.
7. وغَير المتناهي: كمستشزرات من قول امرئ القيس:

غرائره مستشزرات إلى العلا * تظل العقاص في مثنًى ومرسل

8. أما الغرابة فهي كون الكلمة غير مألوفة الاستعمال بين الناس حتى يحتاج إلى البحث عن
معناها كقول بعضهم “مالكم تكأكأتم عليَّ كتكأكئكم على مَن به جِنَّةٌ افرنقعوا” وكقول العجاج:

ومقلة وحاجبا مُزَجَّجا * وفاحمًا ومرسنًا سرّجا

فانه لم يعرف ما قصد بذلك، ولذلك اختلف في تخريجه فمنهم من قال هو من قولهم: سيف سريجي. وقيل: من قولهم سَرَج الله وجهه، وذلكَ بسبب غرابتها.
وأما مخالفة القياس فهي كون الكلمة مباينة لما ثبت عن الواضع وذلك كالأجلل في قول أبي النجم:

الحمد لله العلي الأجلل * الواحد الفَرد القديم الأول

فَإنها ثبتت عن الواضع “الأجلِّ” بإدغام اللامين.
9. وقول المصنف “زكن” في آخر البيت بمعنى “علم”.
10. ثم أشار المصنف إلى تعريف الفصاحة في الكلام فقال:
وفي الكلام من تنافر الكلم وضعف تأليفٍ وتعقيد سلم
11. يعني أنَّ الفصاحة في الكلام عبارة عن خلوصه من ثلاثة أمور أيضًا وهي تنافر الكلمات وضعف التأليف والتعقيد.
12. أما التنافر فهو وصفٌ يوجب عسر النطق بالكلمات بحيث تكون ثقيلة على اللسان وهو

قسمان:
متناه في الثقل وغَير متناهٍ، فالمتناه كقول بعضهم:
وقبر حَرب بمكان قفر ولَيسَ قرب قبر حرب قبر
13. وغير المتناه كقول بعضهم:
14. كريم متى أمدحه أمدحه والورى معي وإذا لمته لمته وَحدي
15. وأما ضعف التأليف فهو أن يكون الكلام مخالفًا للقواعد النحوية المشهورة وذالك كقولك: ضَرَبَ غلامه زيدًا، فإنَّ فيه الإضمار قبل الذكر لفظًا ورتبةً.
16. وأما التعقيد فهو أن تكون دلالة الكلام على المعنى المقصود غير ظاهرة، وعدم ظهور دلالته فأن يكون للأمر لفظي أو معنوي. باللفظ ككثرة التقديم والتأخير والفصل والوصل وغير ذلك كقول الفرزدق:

وما مثله في الناس إلا مملكا أبو أمه حي أبوه يقاربه

17. أما عن عدم ظهور دلالة الكلام بسبب أمر معنوي فإنه تكون حسب خللٍ في انتقال اللفظ من المعنى الحقيقي إلى المعنى المقصود للمتكلم كقول العباس ابن الأحنف:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا وتسكب عيناي الدموع لتجمدا
ثم أشار المصنف لتعريف الفصاحة في المتكلم فقال رضي الله عنه:

وَذِي الْكَلامِ صِفَةٌ بِهَا يُطِيقْ
تَأْدِيَةَ الْمَقْصُودِ بِاللَّفْظِ الْأَنِيقْ

يتبع

حقوق الطبع محفوظة للزاوية المدنية.




أرسل رسالة

Facebook