الرجاء في رحمة الله من أجلِّ القُرُبَات

السبت 27 جوان 2009


بسم الله الرحمان الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد زين المرسلين

تقوم الطريقة المدنيّةُ على الترغيب في رحمة الله وتعظيم الرجاء فيه وتحسين الظنِّ في كرمه ولطفه. وهذا المنهجُ من أفضل المناهج في تشويق القلوب إلى الله والتعريف بلطائف مِنَنِه وَجَزيل عطائه. وهذه لمحاتٌ من لطف الله حتى يرجوها السائر إلى حضرته ويأملَ فيها.

إنَّ الرَّجَاءَ في رحمة الله تعالى مِن أعظم الصّفات التي يجب أنْ يَتَحَلَّى بها المؤمن فيجب عليه أن يرجو رَحمةَ ربِّه ويخافَ عذابَه لأنَّ الرجاء والخوف بهما يطير المقرَّبون إلى مقاماتِ التوحيد. وَالتذكيرُ بفضل الرجاء في رحمة الله وكرمه ولطفه أجملُ وَقعًا في النفوس. وعلى الداعي إلى الله أنْ يَتَعَرَّضَ لبعض فضائل الخوف من الله لكنه يغلِّبُ باب الرجاء.

1- جَاء في الخبر أنَّ الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: “أحبَّنِي وَأَحِبَّ مَنْ يُحبِّني، وَحَبِّبني إلى خَلقي”. فَقال: “يَا رب كيف أحبِّبكَ إلى خلقك؟ فَقَال:”اذكُرني بالحَسَنِ الجميلِ، واذكر آلائي وإحساني وَذَكِّرهم ذلك فإنهم لا يعرفون منّي إلاّ الجميل".

2- وجاءَ في تفسير قوله تعالى: “يَومَ لاَ يخزي الله النبيّ والذين آمنوا معه”، أنَّ اللهَ تَعَالى أوحى إلى نبيّه عليه الصلاة والسلام أنِّي أجعلُ حسابَ أمتك إليك، قال لاَ يَا ربِّ أنتَ أرحمُ بهم منّي، فَقَالَ إذًا لاَ نخزيك فيهم.

3- وَكانَ أبو جعفر محمد بن علي يقول: “أنتم أهلَ العراقِ تقولون أرجى آية في كتاب الله تعالى قوله:”قُل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إنَّ اللهَ يَغفر الذنوب جميعا إنه هوّ الغفور الرحيم“، ونحن أهلَ البيتِ نقولُ أرجى آيةٍ في كتاب الله تعالى قوله جلّ شأنه”وَلَسوفَ يُعطيك ربّك فترضى".

4- وروي عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربّه في ذنوب أمته، فقال يا ربّ اجعل حسابهم إليّ لئلا يطّلع على مساوئهم غيري، فأوحى الله تعالى إليه هم أمتك وهم عبادي وأنا أرحم بهم منك لا أجعل حسابهم إلى غيري لئلا تنظر إلى مساوئهم أنت ولا غيرك..

5- وقَال صلى الله عليه وسلم: "حَيَاتي خيرٌ لَكم وموتي خير لكم أما حياتي فأسـنّ لكم السنــن، وأشـرّع لكم الشــرائع، وأما مَوتِي فإنَّ أعمالكم تعــرض عليّ فمــا رأيت منها حسنًا حمدت الله عليه وما رأيت سيئا استغفرت الله تعالى لكم.

6- جَاءَ في حديث مَروي عن سيّدنا أنس رضي الله عنه أنَّ أعرابيًّا قالَ يا رسول الله من يلي حساب الخلق؟ فَقَال اللهُ تباركَ وَتَعَالى، قَالَ هو بنفسه؟ قَالَ نَعم فتبسّم الأعرابي، فقال صلى الله عليه وسلم ممّ ضحكت يا أعرابي؟ فـقال إن الكريم اذا قَدَرَ عَفَا وإذا حاسَبَ سامحَ فقال النبىء صلى الله عليه وسلم "صدقَ الأعرابي، ألاَ لاَ كَريمَ أكرمَ منَ الله تعالَى هو أكرم الأكرمين ثمّ قال فَقِهَ الأعرابيُّ.

7- وَجاء في الخبر أنَّ لله تعالى مائة رحمة ادّخرَ منها عنده تسعًا وتسعين رحمة وأظهر منها في الدّنيا رحمة واحدة فبها يتراحم الخلق فتحنّ الوالدة على ولدها وتعطف البهيمة على ولدها فإذا كانَ يوم القيامة ضمّ هذه الرحمة إلى التسع والتسعين ثمّ بسطها على جميع خلقه وكلّ رحمة منها طباق السماوات والأرض قال فلا يهلك على الله يومئذ إلاّ هالكٌ.

8- وَقَالَ سفيان الثوري: “مَا أحبّ أن يُجعلَ حِسابي إلى أبويّ لأنّي أعلم أنَّ الله تعالى أرحم بي منهما”.

9- وروى مُحمد بن الحنفية عن سيدنا عليّ رضي الله عنهما أنَّه قَالَ لَمَّا نزل قوله تعالى: “فاصفَح الصفحَ الجَميلَ”، قَالَ يَا جبريل وما الصفحُ الجميلُ؟ قَالَ عَليه السلام: "اذَا عَفوتَ عمّن ظلمك فلا تعاتبه فقال يا جبريل فالله تعالى أكرم من أن يعاتب مَن عفا عنه، فَبَكَى جبريل وبكى النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال إنَّ رَبَّكما يقرئكما السّلام ويقول كيف أعاتب من عفوت عنه هذا ما لاَ يشبه كَرَمِي.

10- وَروي أن رجلا أطاع ربّه عشرين عاما ثمّ عَصَاه عشرين عاما ثمّ وقف متـحيّـرا مُضطَـربًا فســمع هـاتفًــا يقــول لــه يَا عبدَنَا أطعتَنَا فأكرمناك وعصيتنا فَأمهلناكَ وإنْ عُدتَ إلينا قَبلناك.

وخلاصةُ القول إنَّ العارفَ بالله حقَّ معرفته هو الذي لا يقنِّطُ الناسَ من رحمة الله بأن يُحدِّثَهم على العذاب والقهر الإلهيَينِ فَقَط، مِمَّا ينفّــر الناس من عقيدة التوحيد ويَـذهـبَ بِهــم إلى اليــأس من رحمــة الله التي وَســعَت كلَّ شيءٍ.

والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ محمد المنور المدني.

المراجع :

* كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي ج 4 ص 142 و 144و 146و 149




أرسل رسالة

Facebook