الصفحة الاساسية > كتابات صوفية > دراسـات > الرحلة الحجازية، رحلة الحجّ

الرحلة الحجازية، رحلة الحجّ

سيّدي الشّيخ عبد العزيز بوزيد ( 21 ذو القعدة 1381هـ / 26 أفريل 1962م )

الثلثاء 17 أكتوبر 2017, بقلم المدني


نعتز اليوم بتقديم هذا الكلام النفيس الغالي الذي صاغه الشيخ سيدي عبد العزيز البوزيدي، وفيه من اللطائف ما لا يحصى،

وقد قام بتحقيقه سيدي أحمد بن المسطاري بوزيد، جازاه الله أحسن جزاء.

الشيخ سيدي عبد العزيز بوزيد
هو العالِم الربَّانيُّ والصوفيّ النورانيُّ، الشيخ سيدي عبد العزيز بن محمد بن خليفة بوزيد الحَجْريّ مَنشئًا ومَسكنًا، المَداني طريقةً ونِسبَةً

بسم الله الرّحمن الرّحيم والصّلاة والسّلام على أكرم المرسلين المبعوث رحمة للعالمين وآله وصحبه والتّابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين.

هذه رحلة الحجّ الشّريف إلى بيت الله الحرام وزيارة مقام سيّد الأنام عليه من اللّه أفضل الصّلاة وأزكى السّلام وما شاهدناه من الآيات العظام والخيرات والبركات التي تعجز عن وصفها الأقلام وتكلّ عن الإفصاح بمعانيها جياد الأحلام.

ويكفي النّاظر المستبصر عبرة أنّها مواقف مقدّسة ومواطن جليلة تشعر بنفحات شذيّة ونسمات روحيّة تسمو بصاحبها إلى مراقي السّعادة الأبديّة والفوز برضى ربّ البريّة، جعلنا اللّه ممّن اختصّهم بمشاهدة أنواره الذّاتيّة وصفاته السّنيّة في زمرة الّذين أنعم اللّه عليهم بالقرب والرّضوان الأتمّ بحرمة صاحب الحوض المورود والمقام المحمود في الغرفات العليّة إنّه وليّ الفضل واسع الجود والعطايا اللّدنيّة.

ولمّا منّ اللّه سبحانه وتعالى على عبده الضّعيف القاصر الّذي لا يملك لنفسه حولا ولا قوّة مع العظيم القادر بالاستطاعة والتّيسير لأداء فريضة الحجّ الشّريف الّتي هي خاتمة القواعد الاسلاميّة عملا بقوله جلّ ذكره “وللّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا”. فسمحت جلائل الأقدار بالسّفر إلى تلك الدّيار المقدّسة الّتي هي أوّل مكان خلقه اللّه لعبادته وتقديسه ومقرّ أنبيائه ورسله وأصفيائه ومهبط ملائكته بالوحي والتّنزيل على أفضل أنبيائه. فهي أوّل بيت وضع للنّاس للّذي ببكّة مباركا وهدى للعالمين كما قال جلّ شأنه في محكم آياته، فهنيئا لمن شرّفه الله بمشاهدة تلك المشاهد والمشاعر وقام بواجب هاتيك الشّعائر، وصلّى خلف مقام الخليل بعد الطّواف بالبيت على نحو ما جاء به سيّد صفوة الأخيار بين الأنام والعشائر.

وقبل الشّروع في المقصود نذكر مقدّمة جليلة وتوطئة جميلة تتعلّق بالتّوبة والإنابة للّه واهب الفضيلة وما إليها من التّقوى الّتي هي خير لباس وأعظم أساس يقام عليه صرح الإنسانيّة الحقّة عند سائر النّاس أهل البصائر والإحساس.

فأقول وعليه توكّلت وبه استعنت وإليه توجّهت ومن حولي وقوّتي تبرّأت فمنه الإمداد والتّوفيق إلى سبيل الرّشاد في البدء والمعاد إنّه وليّ الإعانة والسّداد في جميع المراد.

إنّ الدّين الإسلاميّ هو الدّين الحقّ الّذي اختاره اللّه تعالى لنفسه واختصّ به من شاء من عباده فقال جلّ وعزّ في الحديث القدسيّ “الإسلام دين اخترته لنفسي ولن يصلحه إلاّ السّخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه” وقال في آيته الكريمة “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا”.

وهو يشتمل على ثلاثة أركان، إيمان وإسلام وإحسان، ولكلّ ركن قواعد وأحكام. والمكلّف من حيث هو المنتسب للدّين الإسلامي مأمور على سبيل الوجوب بمعرفة مجموع الأركان وقواعدها والعمل بمقتضاها ليصحّ انتسابه للدّين ويثبت اقترابه من ربّ العالمين وكان لزاما عليه وقدرا مقدورا.

إنّ الإنسان تعتريه أحوال بشريّة وتغشاه سنة الغفلة الّتي هي من علائق النّشأة الآدميّة ولكنّها تتفاوت بحسب المراتب والمقامات الإنسانيّة ولا يسلم منها إلاّ من شرّفه اللّه بالعصمة والخصوصيّة. والنّاس في التّمسّك بالدّين والسّير على منهاجه القويم درجات، عامّة وخاصّة وخاصّة الخاصّة حسبما يشير إليه واهب العطايا والمكرمات في صريح الآيات واتّضح بسنّة سيّد السّادات وثبت نقله عن أئمّة الهدى المختصّين بالكرامات. وكلّ صنف مأمور شرعا بالقيام بواجبات الأركان الدّينيّة جهد المستطاع، وعند طروء الغفلة والنّسيان كما هو شيمة بني الإنسان، يجب عليه الإسراع بالتّوبة والاستغفار وتلافي ما أمكنه فعله من أوامر العزيز الجبّار.

فتوبة العامّة من الذّنوب والأوزار، وإرجاع الحقوق إلى أهلها بأيّ وجه تسمح به الأقدار، والإنابة للّه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه والاقلاع عن كلّ وصف مذموم يغضب باريه.

وتوبة الخاصّة من رؤية العمل المنسوب للنّفس ولو كان من الطّاعات، فإنّ صاحب هذا المقام تلزمه التّوبة والرّجوع في أعماله للّه ويستغفر من نسبتها لنفسه ولا يسأل من اللّه ثوابا وأجرا عن عمله لأنّه لا يرى لنفسه عملا حتّى يرجو ثوابه. وكلّما لا حظ لنفسه عملا يستحقّ عليه الجزاء إلاّ وقع في الخطأ. فتجب عليه التّوبة والنّدامة على قلّة الحياء من العظيم الأعلى، كما قال صاحب الحكم العطائيّة رضوان اللّه عليه بكرة وعشيّا “كفاك جهلا أن تطلب جزاءً على عمل لست له عاملا واللّه خلقكم وما تعملون”. ولهذا يقول أهل العلم رضي اللّه عنهم “حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين”.

وأمّا توبة خاصّة الخاصّة، من رؤيتهم السّوى واستماع الكلام من غير اللّه في الجهر والخفا. فكلّما وقعت نظرة العارف على وجود الغير أو طرف سمعه كلام الغير فقد وقع في السّعير، وتعدّ له مخالفة بالنّسبة لحاله مع العليم القدير. فينبغي له الإسراع بالمتاب، ويُقلِع من حينه إلى لذيذ الخطاب ومصفّى الشّراب، كيلا ينسدّ دونه الباب وينسدل الحجاب بينه وبين ربّه الّذي كان منه في عزّ واقتراب. فصاحب هذا المقام أحوج من غيره إلى التّوبة لأنّه في حضرةٍ سريعة الانتقام والعتاب، وعقابه عاجل بخلاف ما سواه من القسمين عقابهما آجل. والعارف يرى القطيعة وسدل الحجاب أشدّ عليه من الجحيم ونار العذاب. وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يستغفر في اليوم سبعين مرّة ويقول “توبوا فإنّي أتوب في اليوم مائة مرّة”. وهل كان استغفاره صلّى اللّه عليه وسلّم ممّا يعدّ ذنبا عندنا، كلاّ وما منّا إلاّ له مقام معلوم. والرّجوع للّه في كلّ حال من سنيّ الخصال وذلك شيمة أهل الكمال، إنّا للّه وإنّا إليه راجعون.

والسّالك في طريق اللّه عزّ وجلّ القاصد البيت العتيق والمنسك الأنيق، من لوازمه التّجمّل بالتّقوى ولباس التّقوى ذلك خير. والتّقوى قاعدة كلّية جامعة لكلّ خير، مانعة من كلّ ضير، تدور على استماع واتّباع، امتثال واجتناب ظاهرا وباطنا فهي بحسب متعلّقها تتفرّع إلى أربعة أقسام.

امتثال ظاهر بالجوارح وباطن بالقلب واجتناب ظاهر بالجوارح وباطن بالقلب. وبحسب أحوال المكلّفين عامّة وخاصّة وخاصّة الخاصّة، فتصير اثني عشر قسما ولكلّ صنف نوع يخصّه والحقّ جلّ وعلا يقول “فاتّقوا اللّه ما استطعتم”.

فتقوى العامّة من المعاصي لملازمتها للنّار الحسّية “فاتّقوا النّار التي وقودها النّاس والحجارة”. وتقوى الخاصّة من الطّاعات خشية عدم الإخلاص فيها “وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية” راجين من اللّه وجود الإخلاص في أعمالهم حتّى تكون له لا لغيره “وما أمروا إلاّ ليعبدوا اللّه مخلصين له الدّين”. والقسم الثّالث يتّقي اللّه من وجود الإخلاص إذ لا يخلص في العمل إلاّ الذي له عامل وقد أخرجهم الحقّ جلّ وعلا عن أعمالهم فهم غائبون عن العمل في شهود المعمول له وهذه غاية التّقوى المشار لها بقوله تعالى “اتّقوا اللّه حقّ تقاته”.

فامتثال العامّة في الظّاهر بفعل المأمورات واجتناب المنهيّات رغبة في الأجر والثّواب وخوفا من العقاب كما يرجون ذلك في الباطن. وامتثال الخاصّة في الظّاهر هو فعل المأمورات مع عدم طلب الجزاء عليه كما في الباطن لا يرون لأنفسهم عملا. وامتثال خاصّة الخاصّة فعلهم المأمورات ظاهرا مع رؤيتهم أنّ العامل لها على الحقيقة هو اللّه كما هو كذلك في الباطن، فيكون بهذا المعنى هو العمل والمعمول له فيقال “سرّه يعبده” وهذه صورة الامتثال ظاهرا وباطنا.

أمّا الاجتناب فكذلك يعتري الأصناف الثّلاثة، فاجتناب العامّة من الذّنوب في الظّاهر والباطن. واجتناب الخاصّة من كلّ العيوب المنافية للأدب في طريق المحبوب ظاهرا وباطنا. واجتناب خاصّة الخاصّة من كلّ شيء فيه حجاب عن رؤية المحبوب، فهم مجتنبون لكلّ شيء شيمته الغفلة عن اللّه. وفي هذا المعنى قال عليه الصّلاة والسّلام “يعجب ربّك من قوم يقادون إلى الجنّة بالسّلاسل قائلين دلّونا على ربّها” أو كما قال على حدّ قول بعض العارفين:

ليس لي في الجنان والنّار رأي * أنا لا أبتغي بحبّي بديلا

ومن يتّقي اللّه في مقام يرفعه إلى أرقى منه، وللآخرة خير لك من الأولى، والمقام يطلبه لا هو يطلب المقام بنفسه. ومن يتّق اللّه يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب. فاتّقوا اللّه ويعلّمكم اللّه.

ولمّا كان الامتثال أمرا جليّا وفي الغالب لا يخفى على المكلّف القيام بشأنه ومعناه. والاجتناب قد يعسر عليه أمره وتخفى حقيقته ومعناه لأنّه يتناول الجوارح السّبعة من العبد التي تستمدّ من القلب ويجري له منها السّداد والفساد وما يتلقّاه لما بينهما من علاقة المجاورة فتصلح بصلاحه وتفسد بفساده كما قال عليه الصّلاة والسّلام “ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب” وبما أنّ المجاورة والمجانسة لها تأثير عظيم على الكواسب والمكاسب لاستمدادها من بعضها بعضا، كان النّهي والكفّ أمرا واجبا لذلك يقول الشرع الحكيم عليه أفضل الصّلاة وأزكى التّسليم “ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم”. فتقديم النّهي على الأمر في الحديث الشّريف يرشدنا إلى الاهتمام بشأنه وترك الشّيء أيسر من فعله كيفما كان مع توفيق اللّه تعالى وما توفيقي إلاّ باللّه عليه توكّلت وإليه أنيب.

وأهمّ ما يعتني به العبد ويحفظه من الزّلل والخطر حاسّة البصر فإنّها مكسبة للخير مجلبة للشّر ولذا حذّرنا الشّارع وأكّد الوصيّة في شأنها فقال جلّ ذكره “قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويحفظو فروجهم” الآية. وقال سيّد الأصفياء “من استحي من اللّه حقّ الحياء فليحفظ الرّأس وما وعى والبطن وما حوى”. ففي الرّأس ثلاثة جوارح وفي البطن أربعة وكلّها داخلة في عموم الحديث. فينبغي للإنسان أن يغضّ يصره عن المحارم لزوما كيفما كانت رتبته.

فالعوامّ يغضّون أبصارهم عن النّساء وكلّ نظرة تثير في القلب شهوة داعية للحرام. والخاصّة يغضّون أبصارهم عن عيوب النّاس ويشتغلون بتنقية عيوبهم كما قال سيّد النّاس “لا تنظروا في ذنوب النّاس كأنّكم أرباب وانظروا في عيوبكم كأنّكم عبيد فإنّما النّاس مبتلى ومعافى فارحموا أهل البلاء واحمدوا اللّه على العافية”. وأمّا خاصّة الخاصّة يغضّوا أبصارهم عن ظواهر الأشياء متوجّهين لباطنهم “قل انظروا ماذا في السّموات والأرض”, وقال سيّد العالمين يوم العرض “سيروا فقد سبق المفردون قيل ما المفردون يا رسول اللّه قال الّذين نظروا إلى باطن الدّنيا حيث نظر النّاس لظاهرها”.

وأمّا حاسّة السّمع فكفّها بالنّسبة لأهل المقام الأوّل أن يحفظوها من سماع الملاهي وأصوات النّساء والغيبة والنّميمة وما أشبه ذلك من بذيء الكلام المؤثّر في القلب قسوة عن طاعة الرّبّ.
وأهل المقام الثّاني يكفّون أسماعهم عمّا سوى الواجب والمندوب المرغّب فيه شرعا فلا يسمعون مباحا فضلا عن المكروه والحرام فالكلّ عندهم لغو، فهم الّذين قال اللّه فيهم “والّذين هم عن اللّغو معرضون”. فعندهم كلّ ما يشغل عن ذكر اللّه فهو حرام، ولذا تراهم في الغالب ينعزلون عن الخلق في الخلوات لتصفية بواطنهم من الهفوات.

وأصحاب المقام الثّالث ينزّهون أسماعهم القلبيّة أن تسمع الكلام من غير اللّه فكلّ كلام يخاطبون به أو يهتف به فهو خطاب اللّه بواسطة المظاهر الخَلقيّة على نحو ما أفصح عنه التّنزيل من كلام المولى الجليل “وما كان ابشر أن يكلّمه اللّه إلاّ وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء”. الآية. وقد كان سيّد الوجود صلّى اللّه عليه وسلّم يسمع سيّدنا جبريل عليه السّلام من وراء حجاب سيّدنا دحية الكلبيّ رضي اللّه عنه ويسمع الحقّ من وراء حجاب جبرائيل عليه السّلام. وقد قال سلطان العاشقين رضي اللّه عنه في هذا المقام

أجبريل قل لي: كان دحية إذ بدا * لمهدي الهدى في هيئة بشرية
وفـــــي علمه عن حاضريه مزية * بماهية المرئي من غير مرية
يــــــرى ملكا يوحي إليه، وغيره * يرى رجلا يرعى لديه لصحبة

فصاحب هذا المقام لا يسمع إلاّ من اللّه تعالى وهو المسمّى بمقام المكالمة والمناجاة القلبيّة السّرّيّة الاستغراق في الأمّية الحقيقيّة التي اختصّ اللّه بها قطب الدّائرة النّبويّة ومن كان على قدمه الطّاهرة النّقيّة على حدّ ما قيل:

والسّمع إن جال فيه من يحدّثه * سوى حديثك أمسى وقره الصّمم

وأمّا حاسّة اللّسان فيجب على صاحب المقام الأوّل أن يحفظه عمّا يحرم النّطق به كالكذب والزّور والغيبة والنّميمة وما أشبه ذلك من كلّ ما يؤدّي إلى خصلة ذميمة، وهل يكبّ النّاس على وجوههم أو مناخرهم إلاّ حصائد ألسنتهم كما في الحديث الشّريف.

وصاحب المقام الثّاني يكفّه عن سوى الواجب والمندوب فهو المشار له بقوله عليه الصّلاة والسّلام “من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت”

وصاحب المقام الثّالث يحفظ لسانه عن الكلام مع غير اللّه تعالى على نحو ما قيل:

فإن تكلّمت لم أنطق بغيركم * وإن سكتّ فشغلي عنكم بكم

فهذا المقام عزيز الوجود والمناجات بحسب التطوّرات، فتارة يتكلّم مع اللّه وتارة يتكلّم باللّه فله في النّهار سبحا طويلا ومقاما ورحيلا. فانطوى ليل البشريّة في نهار تلك الذّات العليّة كما قال صاحب المزيّة رضوان اللّه عليه غدوّا وعشيّا أستاذنا الأكرم ووليّ نعمتنا الأفخم المنعّم المبرور في أعلى الجنان والقصور شيخنا ومربّي أرواحنا سيّدنا محمّد المداني أمدّنا اللّه برضاه ومتّعنا اللّه بسرّه جملة وتفصيلا بكرامة من أنزل عليه القرآن تنزيلا.

وأمّا الجارحة الرّابعة التي هي البطن فيجب على صاحب المقام الأوّل حفظها من أكل الحرام كالمغصوب والرّبا وكلّ ما فيه شبهة حرمة. فالحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات كما في الحديث.

وصاحب المقام الثّاني يجب عليه حفظها من المباح فضلا عمّا فيه شبهة. فأكله لا يكون إلاّ عند الاحتياج للأكل فيأكل بنيّة صالحة حتّى يكون في حقّه كالواجب أو المندوب، وهذا من التّورّع في الدّين كما هي سيرة أهل اللّه الكاملين رضوان اللّه عليهم أجمعين.

وصاحب المقام الثّالث تجب عليه معرفة اللّه في المأكولات والمشروبات وغيرها من الطّيبات لما يروى في بعض الأحاديث القدسيّة يا عبدي كلني في المأكول واشربني في المشروب الخ. أي اعرفني في كلّ شيء في حركاتك وسكناتك وما يظهر من أفعالك وصفاتك. وفي هذا المعنى قال بعض الأكابر رضي اللّه عنه:

والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت * إلاّ و ذكرك مقـرون بأنفاســـي
ولا شـــربت زلال الماء من ظمإ * إلا رَأَيْتُ خيالاً منك في الكـأس

فكأنّه يقول كلّما أكلت أو شربت إلاّ وشهدت منك خيالا في ذلك المأكول والمشروب.

والخامسة من الجوارح الفرج فينبغي للمريد أن يحفظها من الحرام بأن لا يباشر بها ما حُرِّم عليه شرعا، وقد مدح اللّه تبارك وتعالى من كان حافظا لها من المؤمنين بقوله “والحافظين فروجهم والحافظات” فهذا صاحب المقام الأوّل.

وأمّا صاحب المقام الثّاني فيحفظ فرجه من كلّ جماع مباح بأن لا يقرب زوجته إلاّ على سبيل الوجوب بحيث تدّعيه ضرورة التّحصّن والصّيانة لنفسه ورحمة بأهله “وفي بضع أحدكم صدقة” كما قال عليه الصّلاة والسّلام. وعن السّيدة عائشة رضي اللّه عنها أنّها قالت “أتاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ليلة حتّى مسّ جلده جلدي ثمّ قال ذريني أتعبّد من ربّي فقام إلى القربة فتوضّأ وصلّى وأخذ في البكاء حتّى أتاه بلال لصلاة الفجر فقال له ما يبكيك يا رسول اللّه وقد غفر اللّه ما تقدّم وما تأخّر من ذنبك فقال ويحك كيف لا أبكي وقد أنزل عليّ في هذه اللّيلة إنّ في خلق السّموات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار لآيات لأولي الألباب ثمّ قال ويل لمن قرأ هذه الآية ولم يتفكّر فيها”.

وكلّ من له حظّ في التّفكّر يكون حافظا لفرجه إلاّ عند الحاجة لأنّ الجماع في الغالب لا يخلو من غفلة.

ويتعذّر الحال على أهل المقام الثّالث إلاّ إذا انسدل رواق خفيف بينه وبين الحضرة الإلهيّة لحكمة أزليّة وعند وقوع العيان لا يمكن الإتيان، ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه. أي لولا ظهور الحقّ وهو معنى العصمة لأنّ النّبيّ في الغالب لا يغفل عن حضرة اللّه عزّ جلّ فهو محفوف بكرامة العصمة بخلاف الوليّ تعتريه الغفلة ولكنّه محفوظ بكرامة الولاية وليس بمعصوم. والمعصية تنشأ عن الغفلة حفظنا اللّه من شرّ الغفلة بكرامة سيّد الرّسل.

والجارحة السّادسة والسّابعة اليدان والرّجلان فالواجب على المريد كفّهما عن البطش والسّعي في الممنوع شرعا فلا يسعى برجليه في طرق الفساد ولا يمدّ يديه إلاّ فيما أباحه له ربّ العباد.
وصاحب المقام الثّاني لا يتناول بهما إلاّ ما كان واجبا أو مندوبا، والمباح يفعله بنيّة صالحة فيصير مندوبا حسبما ذُكِر.

وصاحب المقام الثّالث لا يمشي إلاّ في حضرة اللّه ولا يأخذ إلاّ من اللّه ولا يعطي إلاّ للّه، فهو غائب عن وجود الخلق في شهود الحقّ البتّة. وحاصل الأمر أنّ الإنسان مأمور بحفظ ما أوصى اللّه ورسوله بحفظه في أيّ مقام كان، عملا بقوله عليه الصّلاة والسّلام احفظ اللّه يحفظك. الحديث. فلم يبق له إلاّ ان يصرف جوارحه فيما يرضي اللّه ورسوله حسب المستطاع، ومن عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم.

وقد يشكل الأمر أو يشتبه الحال على بعض أهل المقامات من الرّجال ولا يدري ماذا يفعل أو يقول في بعض الأوقات. فإن كان من أهل المقام الأوّل فلا يحلّ له الإقدام عن أمر حتّى يعلم حكم اللّه فيه، كما في الحديث “لا يحلّ لامرئ مسلم أن يقدم عن أمر حتّى يعلم حكم اللّه فيه” فما وجده في كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه فعله وما لا فلا.

وأمّا صاحب المقام الثّاني فلا يزن بهذا الميزان لأنّ حكم اللّه تمحّض عنده بالعلم الصّحيح فلم يشتبه عليه، فالحلال بيّن والحرام بيّن وما بينهما شبهات وقد اجتنبها وفرغ منها ولكن بقي عليه اشتباه في بعض الأفعال أيّها أقرب إلى اللّه نفعا وأجلّ صنعا، فهو يزنه بميزان النّفس فإن ثقل على نفسه فِعلُ شيء فهو أكثر نفعا وأجمل وضعا، وإن خفّ عليها فلا. وهذا ميزان طريق أهل الحقّ والهدى العارفين بمراكن النّفس والهوى.

وأمّا أهل المقام الثّالث فصاحبه لا يفعل فعلا ولا يقول قولا إلاّ بحكم اللّه وإذنه بالخطاب القلبيّ، فكلّما توقّف عارف في شيء من الأشياء إلا وأتاه أمر اللّه بعلمه من باطن قلبه بالفعل أو التّرك لشدّة صفاء باطنه مع ربّه، لا يتكلّمون إلاّ من أذن له الرّحمان وقال صوابا. وقد يختلف عليه الأمر في بعض الأوقات حتّى تكاد نفسه تزهق من التباس مراد اللّه في ذلك الشّيء بسبب غفلة عن اللّه في بعض الأوقات، حتّى إذا ضاقت عليه الأرض بما رحبت يتداركه اللّه بلطفه الخفيّ ويأتيه بحكم ذلك الشّيء. “قد نرى تقلّب وجهك في السّماء فلنولّينّك قبلة ترضاها”. وإنّما يتأخّر الحكم على العارف في بعض الأحوال إذا همّ على فعل شيء بنفسه فيجري عليه العتاب أو العقاب من اللّه بتأخّر الجواب حتّى يسرع بالمتاب فيأتيه الحكم من قلبه بالصّواب كما هو شأن العارفين.

ومن كلام القوم رضوان اللّه عليهم أجمعين “استفت قلبك وإن استفتاك المستفتون”. كما في خطاب سيّد المرسلين عليه الصّلاة والسّلام لمن جاءه سائلا فأفصح له عن مراده وسبب مجيئه لمعاده قائلا له “استفت قلبك وإن أفتاك النّاس أو أفتوك”. وكان بعضهم يقول “سألت قلبي عن ربّي فأذن لي بالجواب” وقال آخر “قال لي قلبي عن ربّي”. وهكذا شأنهم وصدق عبوديّتهم. ولذلك ينبغي للسّائر إلى اللّه أو الواصل للّه ألاّ يقدم عن فعل من الأفعال حتّى يعلم حكم اللّه، قاطعا النّظر عن هوى نفسه فيكون فعله باللّه وبأمر اللّه ولا يميل إلى غرضه فيشقاه.

أمّا إذا أراد فعل شيء بنفسه من غير التفات وبدون رويّة في مقتضى حكم اللّه ومراده فيه، فقد خان عبوديّته والحال أنّه مأمور بحفظ عهوده ومراقبة معبوده وتطهير باطنه من سائر الأوصاف الذّميمة التي تخلّ برتبته وبشرف نسبته. فاللّه خير حفظا وهو أرحم الرّاحمين وصلّى اللّه على سيّد الكاملين نور الذّات ومظهر الأسماء والصّفات في العالمين وسلّم تسليما تامّا إلى يوم الدّين.

آمين. آمين. آمين.




إرسال مشاركة

Facebook