الشيخ المدني يدافع عن شيخه الأستاذ أحمد العلاوي رضي الله عنهما

الاحد1 نوفمبر 2020, بقلم المدني


بسم الله الرحمن الرحيم
الشيخ أحمد العلاوي والشيخ محمد المدني
1. “وممَّا أجابَ به أستاذُنا، رَضيَ الله عنه، عَن سؤالٍ، سَألَه بعضُهم، عن مَعنَى بَيتٍ، نَسَبَه بعضُ المُنكرينَ إلى الأستاذِ الأكبر، سيّدِنا أحمد بن مصطفى العلاوي، رضوان الله عليه، ونَصُّهُ بحُروفه:”كتابٌ مَفتوحٌ":

2. قويَّ الإيمانِ، سَليمَ القَلْبِ، نَقِيَّ الجَنَان، شيخَ الطريقَة القَادريَّة، بحاضرة قَفْصَة، الشَّيخ سيدي بِلقاسم الشَّريف ، حَفظَ اللهُ ظاهرَكُمْ وبَاطِنَكم، وسلامُ اللهِ عَليْكُم وعَلَى جَميع مَن هو مِنكُم وإلَيْكم ورَحمَةُ الله وبَرَكاتُه.

3. أما بَعد السؤال عَن المَرْضيّةِ أحْوالُكم، أجرَاها اللهُ طِبْقَ ما يُرضيهِ ويُرضي رَسولَه، فَقَد تَشَرَّفتُ بِكتابكم المَيمون، المُنبئِ عَن حُسْن حَالِكم وتَمَام عَافيتِكُم، أَدَامَها اللهُ لَنَا ولَكم. ولَقد كنتُ مُتَشَوّقًا لمُواصَلَتكم، حتَّى تَشرّفتُ بِرسالَتِكم وهي نِصفُ المُشاهَدَة. نَسألهُ، تَعالَى، أن يَجعلها مُقَدّمةَ اتّصالٍ. وحتّى إنْ تَأخّرنَا عن جَوابكم، والمُسامَحة منكم على كلِّ حَالٍ لأسبابٍ وأعذارٍ اقتَضاها الحال. “وما كلُّ عُذرٍ يُقال”.

4. مِن تلك الأسبابِ أنَّ التَّسَرَّعَ في الجَوَاب، كالتَّسرّع في الإنكار، مَزَلَّةٌ للأقدام، ولو كان من العُلَماء الأعْلام . ولذلك قال تَعالى، لِنَبيه عليه الصلاة والسلام: “وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا”، “وفي التأنّي السلامَة وفي العَجَلَة النَّدامة”.

5. سَألتمونَا، في كتابكم، عن بَيتٍ نَسَبَه إلى أستاذنا العَلاويّ، رَضي َالله عنه، كاتبُ مَقالٍ من مَدينَة “طولقة ”، بِعَمل قسطنطينَة ، نَشَرَها صاحب الوزر في جريدته بعَدَد 251 وقد تَأَنَّيتُ غيرَ قليلٍ، حتّى راجعتُ ذلكَ العَدَدَ واطَّلَعتُ على ما كَتبه الطولقي في مقالَتِه وحتَّى راجعتُ ديوانَ الأستاذ، في نُسخةٍ استَعَرْتُها من أحَد إخوانِنا، لأنَّه لَم يَكنْ بيدنَا نُسخةٌ حاضرةٌ، فَتَصَفَّحتُ الديوانَ وَرَقَةً ورقةً أو نقول: بيتًا بيتًا، فَمَا وجدتُ به هَذَا البيتَ المَسؤولَ عَنه، الذي هو قولُ بَعضهم:

فَلَولاكَ ما كنَّا ولولايَ لم تَكن * وكنتَ وكنَّا والحقيقة لا تُدرى

6. وإنّي قَد كنتُ رَأيتُه قد نُسبَ لبَعض الأقدمين. غيرَ أنّي لطول عَهدي به، نَسيتُ قائِلَه. كما أنّي كنتُ سمعتُه مِن فَم الأستاذِ ، يَتَمَثل به، يَنسبُه لِغَيره. وعَلَيه، فَالطولقي، صاحبُ المَقالة، سَامَحه الله، هو مَن نَسَبَ هَذا البَيتَ لمَولانا الأستاذ. ويَكفيه طعنًا في مقالاتِهِ هذا التزويرُ، الذي لا يَليق بالمُؤمنين.

7. واعلَمْ سيدي أنَّ الطولقي وأمثالَه الكاتبينَ في هَذا الموضوع، لَيسَ لهم غَرَضٌ في تَمحيص الحقيقة والكتابَةِ لأجل بَيَانِ ما اسْتَشكلَ من كَلامِ القوم. ولو كانَ ذلكَ قَصدَهم، لَكاتَبوا الأستاذَ رَأسًا، يَسألونه عمَّا استَشْكَلوه مِن كَلامه. إنَّما غَرضُهم تَصويرُ الصَّواب في صورَة الخَطَأ، كَيْ لا يَشتغلَ الناسُ بتَواصلُ الخَيْر من الاجتماع على ذِكْرِ الله، عَزَّ وجَلَّ، والاغترافِ من بُحور العلوم اللدنيَّة، التي نَهَلَ منها أسلافُنا الأقدمونَ، رضيَ الله عنهم. وهاته شَنشنةٌ يَقوم بها المُعاصرونَ، في كلّ زَمانٍ ومَكانٍ، ويَنْسبون لأهل عَصرِهِم ما هُمْ بَرَاءٌ منه، من السِّحر تارةً والزَّنْدَقَة والكُفْر أخرَى.

8. وهاته الخَصلةُ من المُعاصرين المُنكرين آيَةٌ بَيَّنَةٌ، تدلُّ على رِفعَةِ شأنِ المُنكَرِ عَلَيه، وعُلُوّ كَعْبِه. ولذلك قال الغَزاليّ، رَضيَ الله عنه، “واسْتَحقِر مَن لا يُحسَدُ ولا يُقذف، واستَصغِر مَن بِالكُفرِ أو الضَلالِ لا يُعرَفُ” . ولكنَّ أهلَ عَصرِنا، عَفَا الله عنَّا وعَنهم، لم يقفوا على حدِّ ما وَقف عَلَيه المنكرون قَبْلهم، بل زاد طينُهم بلَّةً ومَرَضُهم عِلَّة، فَتَراهم أنواعًا وأشكالاً، وكلُّهم يَرومونَ هَدمَ سُور من الدّين الحَصين، الذي لا يَأتيه البَاطلُ من بين يَدَيْه ولا مِن خَلفه. والله مُتمٌّ نورَهَ، ولو كَرهَ المَنبوذونَ.

9. نَعم، إنَّ أصدَقَ كَلمة كتبها الطولقي في مقالته هي قوله: “عَثَرنا على تأليف الشيخ العلاوي تصانيفه فإذا فيه من كل فاكهة زَوجان”، وهي كلمة حق وقولةٍ صدقٍ. “والحَقيقة قد تَجري على ألسنة أناس وهم لا يَشعرون” .

10. هذَا، وأما ما يَرجع للبيت المسؤول عنه، فإنَّ لَه مَعنًى صحيحًا واضحًا، لكلِّ مَن أعارَهُ اللهُ أدنى قَبَسٍ من نُور إيمانه. وليسَ عاقلاً مَن يُعَوّجُ المستقيمَ أو تَلعب به الأهواءُ إلي الفَهم السَّقيم، إنَّما العَاقل مَن يَنظر للأشيَاء بعَين التعظيم فيستمدّ منها ما يَشفي غَليلَه ويُبرئُ عليله .

11. وبِاختصارٍ، إنَّ هذا البَيتَ لَيسَ منَ اللّغزِ في شَيءٍ، حتَّى يَقفَ العَقلُ عَن حَلّه. إنّما مَعناه، على سبيل الإجْمال،: فَلولاكَ يَا مَولانَا لَم نَكن مَوجودينَ في نِعَمٍ لا تُحصَى وخَيراتٍ لا تُسْتَقصى. ولولايَ، أنَا المَخلوق، فيَدخلَ فيه كلُّ عَبدٍ، لَم تَكن معروفًا مَعبودًا. فَالجُملة الأولى اعترافٌ مِن العَبد لمَولاه بنعمَتَيْ: الإيجاد والإمْداد. والجُملَة الثانية إفرادٌ بالعبوديَّة وقيام بحقِّ الرّبوبيَّة على جَميع العباد. والثانيةُ مُفَرَّعَةٌ عَن الأولى.

12. فقولُه: فَكنتَ وكنَّا أي: فَكنتَ مَوجودًا مُنعمًا، وكنَّا لَكَ عبيدًا شاكرينَ. وحقيقةُ كَينونَتِكَ وكَينونَتِنا لا تُدرى لأحدٍ من خَلقكَ، إنَّما أنتَ وَحْدَكَ المُنفردُ بِالعلم. فهذا البيتُ ليسَ من الفَنَاء أو الفَنَاء عَن الفَناء، الذي هو عَين البَقَاء، في اصْطلاحِ القَوم، إنما هو مُناجاة من العَبد لمَولاه واعترافٌ بِمَنْ خَلَقَه وسَوَّاه. هذا ما يَفهمه أخوكُم من هَذا البَيت وهو ما يُعطيه ظاهر اللفظ ويَقتَضيه حالُ المُؤمن.

13. وأما الفَنَاءُ والبَقَاءُ، المُصطَلح عليهما في عِلم القوم، فكثيرًا ما يَخرجُ كَلامُهم عَنهما، إذ الكلامُ إذا كان ناشئًا عَن تَعَمّلٍ وتَصَنُّعٍ أمَكن جَرَيَانُه على ما يَقتَضيه الاصطلاحُ، أمَّا إذا كان صادرًا عَن لِسانٍ صَادقٍ وذَوقٍ خَارقٍ وقَلب شَارقٍ وحَالٍ شَائقٍ، فَأنَّى لَه أن يَنْضَبطَ بِاصطلاحٍ أو يَتَأتَّى عَن مَعناه إعرابٌ وإفْصَاح. ولذلكَ قالوا: “ألْسنة المُحِبين أعجميَّة”، يعني: لا يَفهمها إلا مَن مَارَسَهم وتَحَلَّى بِحُللهم وتَحَقَّق بحقائقهم. ولا عَجَبَ في ذلك، لأنَّه شَأن كلّ فنٍّ، فَإذا تَكَلَّم النحويٌّ أو المنطقيُّ مثلاً بقواعِده، وما أخَذَه عن مشائخه من الاصطلاحات، التي يَقتَضيها الفنُّ، فَلا شكَّ أنَّ الأجنبيَّ عنه، أعني: الذي لَم يُمارس عِلْمَهُ، إذا سَمعه قال له: إنَّه كَلامٌ أعجميٌّ لا يُفهَم. وقد جَرَّبنا ذلكَ، عندما كنَّا في حالة الصِّغَر، فَقد كنَّا نَجلس إلى دروس بعض المشائخ، ونَسمَع تلكَ الألفاظَ الاصطلاحيَّة، حتى يَظهرَ لنا كأنَّ الشيخَ يَتَكَلم بلسان غَير عَربيٍّ. وهَكذا، عِلمُ القوم وما فيه ورجالُه وما يَصدر منهم.

14. نَسألُ الله تَعالى أنْ يلهمَ الجَميعَ لما فيه صلاح الدَّارَيْن، بِحُرمَة مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم. والسَّلام مِن كَاتبه، أخيكم العبد الضعيف محمد المدني العلاوي، في يَوم الاثنين من صفر1347 .

مَبدأ التحقيق:

نقدّم للسادة القرَّاء الكرام هذه الوثيقة النفيسة وهي رسالة مفتوحةٌ، كَتَبَها سيدي محمد المدني سنة 1928 دفاعًا عن شَيخه سيدي أحمد العلاوي من تُهمة الحلول والاتّحاد ورفعًا لالتباسٍ وقع فيه أحد المُنكرين. والرسالة في الأصل مُوجّهة إلى شيخ الطريقة القادرية آنذاك بمدينة قفصة سيدي بلقاسم الشريف. وقد نفى الشيخ المدني عن شيخه هذه التهمة وأبطلها وشرح البيت المسؤول عنه بطريق التأويل ورَدَّه بلطفٍ إلى حظيرَة الشريعة. هذا، والرّسالة طافحةٌ بالتعاليم الراقية والحكم الغالية التي استقاها المريدون ودوّنوها. ثم إنها تعكس انفتاحَ الشيخ المدني على الطرق الصوفية الأخرى السائدة في عصره وتعظيمه لشيوخها. رَحمه الله .

تحقيق ن. المدني
05 أكتوبر 2020.




أرسل رسالة

Facebook
Madaniyya Page Facebook

زوّار الموقع الآن : 1

 الطريقة المدنية | للاتصال | محتوى الموقع | Youtube
TUNISIA: Tunis: +216 22 55 74 30 | FRANCE : Paris: +33 6 77 83 52 99 | Lyon: +33 6 95 42 30 93 | Grenoble: +33 6 63 12 78 30 | UK: London: +44 7533 741 559 | US: New York: (1-646)799-3463