الشيخ المدني يذاكر في مقام الحضور مع الله

السبت 15 ديسمبر 2018, بقلم المدني


الشيخ محمد المدني

1 إنَّ مِن الناس مَن مَنَحه الحقُّ مقامَ الحضور مَعه، فَتَراه راسخًا فيه، لا يَخطر بباله غيرُهُ، إلا إذا كانَ واردٌ يَمر على قلبه، تَقتضيه التكاليف الشرعية. وهؤلاء هم أهل التوحيد الذين لا يُشرِكونَ بالله شيئًا، في جميع حَرَكاتهم وسَكَناتهم وأفْعَالهم ووُجودهم.

2- إنّما حضورُهم مع الحق تعالى، فَلَيس لهم مقصدٌ سواهُ. وهذا هو مقامهم الراسخون فيه. وإنْ مَرَّ عليهم طمع في الجنة أو رَهَبٌ من النار فذلك واردٌ رحمانيٌّ وَرَدَ على قلوبهم، تَقتَضيه التكاليف الشرعية، كما قُلنا، وعلى هذا المقام طائفة من أهل الله يقول قائِلهم:

3- لَيسَ لي في الجِنان والنَّار رأيٌ * أنا لا أبتغي بربي بديلاً
4- قَـــــد تخللت مسلك الروح مني * ولذا سمي الخليل خليلا

5- ومن ذلك، يَقول الإمام الشافعي، رَضيَ الله عنه،: “أما والله لو لم يُوقِن محمد ابن ادريس بأنه يرى ربَّه لما عَبَدَه في الدنيا”. ما قال ذلك إلاّ لأنه لم يقصد غير الله، ولم يَحضر في قلبه سِواه. وقد نَقل الإمام الغزالي، رَضيَ الله عنه، في كتابه المرشد الأمين في باب الشوق: “أنَّ داوودَ، عليه السلام، سَألَ رَبَّه عن أهل محبته. فقال له: ائتِ جَبَلَ لبنانَ، فإنَّ به أربَعة عَشرَ بدلاً، وأقرئهم مني السلام، وقل لهم: إنْ يَسألوني أعطهم، وإن يدعوني أستَجب لهم”، أو كلامًا هذا معناه. فلما بَلَّغهم داوود رسالةَ رَبِّهم أجابَ كل منهم على قدر مَقامه. فَقال شيخهم: سُبحانَك سبحانك، نَحن عبيدك وبنو عبيدك فاغفر لنا ما قَطع قلوبَنا عن ذكرك فيما مضى من عُمرنا.

6- وقال الآخر: سبحانَكَ سبحانك، نَحن عبيدك وبنو عبيدك، فَامنن علينا بالنظر فيما بيننا وبينك.

7- وقال الآخر: سبحانكَ سبحانكَ، نَحن عبيدك وبنو عبيدك أفَنَجتَرئُ على الدعاء، وقد علمت أنَّه لا حاجة لنا في شيءٍ من أمورنا، فَأدِم لنا لزومَ الطريق إليكَ وأتمم تلك النعمة علينا.

8- وقال الآخر: من نُطفَةٍ خَلقتنا ومَننتَ علينا بالتفكير في عظمتك أفَيَجترئ على الكلام من هو مشغول بعظمتكَ، مُتَفَكر في جلالك، وطلبتنا الدنو من نوركَ.

9- وقال الآخر: كَلَّت الألسنة عن دعائكَ لعظم شأنك وقربك من أوليائك وكثرة منتك على أهل محبتك.

10- وقال الآخر: قد عرفتَ حاجَتَنا، إنَّما هي النظر لوجهك الكريم.

11- وقال الآخر: لا حاجة لنا بشيء من خلقك، فَامنن علينا بالنظر إلى وَجهك الكريم.

12- وقال الآخر: أسالك من بَينهم أن تُعميَ عيني عن النظر إلى الدنيا وأهلها، وقلبي عن الاشتغال بالآخرة.

13- وقال الآخر: قد عَرفتَ أنَّكَ، تَباركتَ وتَعاليتَ، تحب أولياءَكَ، فامنن علينا باشتغال القلب بك عن كل شيء سواك.

14- فأوحى الله إلى دَاوودَ، عليه السلام، قل لهم: قَد سمعتُ كَلامَكم وأجبتُكم إلى ما أحببتم. فليفارق كل واحد منكم صاحبه وليتخذ لنفسه سربًا، فإني كاشف الحجاب فيما بيني وبينكم حتى تنظروا الى نوري وجمالي وأنت ترى مقامهم الراسخين فيه ألا هو حضورهم مع مولاهم ورغبتهم عن كل ما يشغلهم عنه.

15- وعِباراتهم في هذا المعنى تقرب من بعضها ومن حضور بعض العارفين مع الله تعالى عندما قيل له إنَّ فلانًا يقيم على الله الف دليل فقال متى غابَ حتى يقام عليه الدليل.

16- ومن ذلك قول ابن عطاء الله في حكمه كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر بكل شيء. كيف يتصور أن يَحجبه شيء وهو الظاهر في كل شيء؟




أرسل رسالة

Facebook
Madaniyya Page Facebook

Visiteurs connectés : 4

الطريقة المدنية | للاتصال | محتوى الموقع | Youtube
TUNISIA: Tunis: +216 22 55 74 30 | FRANCE : Paris: +33 6 77 83 52 99 | Lyon: +33 6 95 42 30 93 | Grenoble: +33 6 63 12 78 30 | Le Havre +33 6 13 95 21 24 | UK: London: +44 7533 741 559 | US: New York: (1-646)799-3463