[






الشيخ محمد المدني يُذاكر المنصفَ باي جوان 1942.

الاحد26 جانفي 2020, بقلم المدني


الشيخ محمد المدني يُذاكر المنصفَ باي جوان 1942.

نعتزُّ اليومَ بنشر وثيقةٍ تاريخية قيِّمَة وهي نص الخطبة التي ألقاها فضيلة الشيخ محمد المدني، رحمه الله، أمام سيدي المنصف باي (1881-1948)، أمير تونس، أثناء زيارته له لأدَاء واجب البَيعة، على إثر تَولّيه العَرش الحسيني في 19 جوان 1942.

والراجح أنَّ الشيخ المدني زاره في تلك الأيام مع وفد من الفقراء (منهم سيدي عبد العزيز بوزيد) ضمن وفود تونس التي توالت لمبايعته وهذا نص الخطبة:

1) الحمد لله، مَالكَ المُلكِ، يُؤتي الملكَ مَن يَشَاءُ، بِيَده الخَيرُ، وهو على كلِّ شَيءٍ قَدير. والصّلاة والسّلامُ عَلَى سيِّد الوجود، والسَّبَبِ في كلِّ مَوجودٍ، سيّدنا ومولانا محمّدٍ، وعلى آله الطّاهرينَ وأصْحَابهِ وأتْبَاعه إلى يَوم الدِّين.

2) أمّا بعد، فيَا مَولانا الأميرُ المحبوب: إنّ الوفد المُبارَكَ، الذّي يمثّل الطّائفة المدنيّة، المنسوبة إلى الزّاوية المدنيّة بقصيبة المديوني، عَمَلِ (أي: ولاية) المنستير، قد تشرّفَ بالمُثول بين يديكم في هاته السّاعة المُباركة، بقلوب ملؤُها السّرور، لأجل أداء عَهد البيعة المُباركة، حسب ما نَزَلَ به القرآن، وجَرَى عليه عمل السّلف الصّالح.

3) وكُلّهم، يا مولانا، يَرجون من الله، تعالى، أن ينظرَ مَلكهُم المحبوبُ نظرةَ عطفٍ، نظرةً تُرضي الله ورسولَه، إلى رعاياه التّونسيين عمومًا، وإلى أهل الدّين من العُلماء والذّاكرين خصوصًا، بأن يأخذ بالجميع إلى سُلوك الصّراط السّويّ، يَحملهم حملاً فعليًّا على العَمَل بما أمرَ اللهُ به ورسولُهُ، فَيَبعثُ في قُلوبهم حياةً دينيّةً، سارَ عَليها ساداتُنا الأوّلون، أهلُ الهُدَى والنّور، وقَد غَفَلَ عنها كثيرٌ من المُتأخّرين.

4) يا مَولانا الأمير: إذا أخذت في تَمجيدكم أو تمجيد العائلة الحُسينيّة، فكأنّي قُلت: الشّمْسُ مُشرقةٌ والنَّهار مُضيء. فإنَّ بَيتَكم الحُسيْني (أي: عائلة البَايات الحسينيين الذين حَكَموا تونس من 1705-1956) مبنيٌّ على أساس مَتين، تعلمونه أنتم، وتعلمه رعاياكم، وبُطون كُتب التّاريخ مملوءة به، فما أنتم إلاّ مُلوكٌ عَادلون، إن شَاءَ الله، خلّدَ اللهُ مُلكَه فيكم.

5) يا مَولانا الأمير: لِتُغثني، إذا استغثت بكم، لهؤلاء المُتبرِّجَات في الأسواق، فَأغِثهنَّ وقُل لهنّ كما قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ” (سورة الأحزاب:59). وكما قال الله تعالى لأمّهات المُؤمنين: “وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ”، (سورة الأحزاب:33)

6) يا مولانا الأمير: تَمرُّ بي الجماعةُ من الرّجال فلا نَفهم مَن نُحيّيه بتحيّة الإسلام منهم، وما ذاك إلاّ لما أحاط بكثير من المُتأخِّرينَ من البُعد عن الصّراط السَّويِّ.

7) يا مَولانا الأمير: يَمرُّ المُسلم في طريق المُسلمين فَيَسمع من الكِبار والصّغار مَنْ يَسُبُّ الدّين الذّي بُذِلَت في نُصرتِهِ دماءٌ طاهرةٌ، من الصّحابة والتَّابعين، ولا مَن يُنكر ذلكَ. لا إله إلاّ اللهُ، ولا حولَ ولاَ قُوّة إلاّ بالله، “وإنّا للهِ وإنَّا إلَيْه رَاجعونَ”.

8) هذا وأمثاله، يا مولانا الأمير، من الكُلُوم ( جمعُ كَلْمٍ أي: جُرْح) في جِسْم الأمَّة الإسلاميَّة، هو الذّي يَلزَمُ مُداواتُهُ بمَرْهَم السّنّة النّبويّة، على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام.

9) هذا، وَلْنَرْفَعْ، كُلُّنا، يَدَ الابْتِهال والتّضرُّعِ إلى الله، عزَّ وَجَلَّ، رَاجينَ منه أنْ يُطيلَ حَيَاةَ مَلِكِنَا المُعَظَّم في صحَّةٍ وسَلامَةٍ وعَافيةٍ واستِقامَةٍ، وعزٍّ وَهَنَاء، وبلوغ مُنًى، مُؤزَّرًا بِحصن حَصينٍ من نَصر الله تعالى، مُؤيَّدًا بوليّ عَهده المَبرور، محفوفًا بِأنجَاله الكرَام، وآلِ بَيتِه الفِخَام ووُزَرَائِه العِظام. بحُرمة مولانا رسول الله، عَلَيهِ الصّلاةُ والسَّلامُ، وبُحرمَة الفاتحة التّي هي أبْلَغ كَلامٍ، آمين.

تحليل أولي

1.وحسب ما يروي سيدي الشيخ محمد المنور المدني عن وَالدِه المُكرَّم: "أعْجِبَ سيدي المنصف باي بهذه الخطبة العَصماء أيَّمَا إعجابٍ. وأخذ يقول: أنا وَلدكم، أنا وَلَدُكم.. فأجابه الشيخ المدني بأخلاقه الطيَّبة: لا بلْ أنتَ أميرُنا. وأكد كذَلك أنَّ الشيخ المدني كان يُجلّه ويقول عنه: إنَّه أمير غَيور على مصلحة الوطن، صادقٌ في حبه له، وكَان يُجلُّ فيه التزامَه بالمبادئ الإسلامية.

2.تندرج هذه الزيارة والخطبة ضمن واجب البيعة لأولى الأمر ولاسيما الصالحين منهم، عملاً بقوله، عليه الصلاة والسلام: “مَن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية”صحيح مسلم 4/549 ".

3.كان الشيخ المدني، مثلَ كل التونسيين، يحترم المنصف باي، بسبَب غيْرَته على الوطن وحبّه لشعبه، ومقاومته للإجراءات الاستعمارية.

4.دعا الشيخ المدني الأميرَ للتمسك بثوابت الشريعة الإسلامية التي ترمز إلى الهوية الوطنية ،كما حثَّه على الصمود في وجه عمليات التغريب والفَرْنَسة التي ظهرت من خلال التشجيع على السُّفور والتحلّل الأخلاقي.

5.هذه الخطبة القيمة نموذجٌ من التعامل مع العصر عَبر الحكمة وعدم الخوض في الباطل والاعتماد على النصح، وهو ما يبدو جليًّا في الكلمات الطيبات التي وجهها الشيخ لولي الأمر، طالبًا منه الإعانة على إرجاع الأمة إلى قيمها.

رحمهم الله جميعًا برحمته الواسِعَة.

ن. المدني، 24 جانفي 2020.




أرسل رسالة

Facebook
Madaniyya Page Facebook

Visiteurs connectés : 8

الطريقة المدنية | للاتصال | محتوى الموقع | Youtube
TUNISIA: Tunis: +216 22 55 74 30 | FRANCE : Paris: +33 6 77 83 52 99 | Lyon: +33 6 95 42 30 93 | Grenoble: +33 6 63 12 78 30 | Le Havre +33 6 13 95 21 24 | UK: London: +44 7533 741 559 | US: New York: (1-646)799-3463