الصَّلاة بالصفّ الأوّل

سيدي سالم الزينة

الثلثاء 4 مارس 2014, بقلم المدني


بِسمِ الله الرَّحمَن الرَّحيم

الصَّلاة بالصفّ الأوّل

الحَمدُ لله الواحد الأحد، لَم يَلد ولم يولد، ولَم يَكن له كفؤًا أحد، والصَّلاة والسَّلام على الحَبيب المُصطفى أوّلا وآخرًا وإلى الأبَد.

جاءَ في الذّكر الحكيم قولُه تعالى :“سارعوا إلى مغفرةٍ من رَبِّكم وجنّة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتّقين”(آل عمران: 133).
ويَقول أيضا : “وفي ذلكَ فليتنافس المتنافسون”، (المطففين: 26).
فَالدَّعوة في هذه الآيات صريحة إلى التسارع والتنافس في طاعة الله ومَحبّته لنيل الثواب والأجر والجنّة ونعيمها. والنصوص كثيرة في هذا الباب. فهل نجد دعوة مماثلة إلى التسارع والتنافس في محبّة النبي، صَلّى الله عليه وسلّم، وإظهارها؟

أجل، نصوص كثيـــرة تحثنا على ذلك إمّا بالتّصريح أو بالتلمـيح، ومِن بَينها حـــديث التحريض على الصَّلاة بالصّف الأوّل، فقد جـاء فيـــه قــــوله صلى الله علــيه وسلم: “لــو يعلـــم النّاس ما في النداء والصفّ الأوّل ثــم لم يجــــــدوا إلاّ أن يستهموا عليه لاسْتَهَمُوا”(مُتفق عليه). لاستَهَموا، قيل في تفسيرها، لاقترعوا وقيل: لتراموا بالسهام. وحسب ظاهر الحديث، هناك حَثٌ كَبير على الصّلاة بالصفّ الأوّل لما في ذلك من أجر وثواب. وهي فضيلة حسنة ومطلوبة. جاء في الحديث الشّريف : ( إنّ الله وملائكته يصلّون على الصفوف الأُوَلِ ) أبو داود. جاء في الحديث الأوّل، لــــو يعـــلم الناس، بمــــعنى مهـــما كانـــت دَرجة علمـــهم، فهم لا يعلمون كل العـــلم في هذا الموضوع، ولو علموا لتنافسوا ولأسرعوا ولاستهموا. والسؤال الذي يُطــرَح في هــذا المقام: ما يمكن أن يكون في الصفّ الأوّل – زيادة على الأجر الظاهر – بحيث يَدفَعُ الناس إلى التّسارع والإسراع والتنافس والاقتراع والتظاهر بذلك؟

فيه الكثير من الدلالات والإشارات، خاصة إذا استحضرنا الصفّ الأوّل الذي يكون إمامُهُ النَّبي، صلى الله عليه وسلم، فهو الإمام الأوّل والأوحد الذي لا نأتم بغيره، وما “الأئمة” مِن بَعده إلاَّ تنظيمٌ شرعيٌّ متفرّعٌ عن الأصل الأوّل الذي لا يجب أن يغيب عن كلّ مسلم، وما توجهنا إلى الله إلاّ به صلى الله عليه وسلم – فهو باب الله ما ثمَّ الوصول إلا من بابه - ، ومن هذه الدلالات :

1- يبدأ الصفّ خلف الإمام مباشرة ثمّ يمتدّ ليكتمل يمنة ويسرة.

فَعَن أبي هريرة، رضي الله عنه، قَال : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : “وَسِّطوا الإمامَ وسُدُّوا الخَللَ” (أبو داود). وبهذا فالمسرع للصف الأوّل لن يقف عند الباب أو في الصفّ الأخير أو الذي قبله بل سيقطع المسافات حتى يكونَ خَلفَ النَبيّ، صلى الله عليه وسلم، مباشرةً، وفي الحقيقة سيكون بيـــن يديه وفـي حضرته، لأنّـــه صلى الله علـــــيه وسلم يقول : “أقيموا صفوفكم وتَرَاصُّوا فإني أراكم من وراء ظهري”(البخاري).

2- المُسرع إلى الصف الأوّل سيكون أقرب النّاس إلى النَّبيِّ، صلَّى الله عليه وسلم، وهي المكانة العالية والمرتبة الرفيعة والمقام السّامي، ولَن يَكونَ كذلك إلاّ بَعدَ التخلّق بأخلاقه وآدابه وسنّته، والفناء في محبّته. جاء في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم : إنَّ مِن أحَبِّكم إليَّ وأقربكم منّي مَجلسًا يَومَ القيامة أحاسنكم أخلاقا“(الترمذي) ويقول كذلك:”إنَّ أقَربكم منّي يوم القيامة في كلّ موطن أكثركم عليّ صلاة في الدنيا"، فالدعوة صريحة بذلك إلى المجاهدة والسير في طريقه وعلى نهجه صلى الله عليه وسلم لإدراك القرب الحقيقي والتربّع فيه، فالمقصود هو طيُّ المَسافات قصد السموّ والترفّع دائما.

3- المُسرع إلى الصفّ الأوّل سينظر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ويراه مباشرة دون حجاب. وكذلك سيحظى بنظر النبيّ صلى الله عليه وسلم إليه. وهي النظرة التي أفنى الصحابة فيها أعمارهم، أَحْيتهم فعاشوا بسرّ أنوارها. جاء في كتاب الشّفاء، :“روي أن رجلا أتى النبيَّ، صَلَّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لأنت أحبّ إليّ من أهلي ومالي ، وإنّي لأذكرك فما أصبر حتّى أجيء فأنظر إليك”. وفي حديث آخر: “كان رجل عند النبيّ صلى الله عليه وسلم ينظر إليه لا يَطْرِفُ، فقال: ما بالك؟ قال : بأبي أنت وأمّي أتمتّع من النّظر إليك” (الترمذي).

4- وهي النظرة التي يتشرّف بها المؤمن، ويحي عليها وبها يَسعد، وترفعه منزلة عليّة، وتُحوّلُ أحوالَه. وخير دليل شرعيّ على ذلك اعتماد علماء الحديث عليها في تصنيف الصحابة وعدّهم، فَبمجرّد رؤية المؤمن للرسول صلى الله عليه وسلم يصبح صحابيا من الذّين رضي الله عنهم جميعا، وللاستزادة من أنوارها وأسرارها تنافس عليها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فعن البراء رضي الله عنه قال :“كنّا إذا صلّينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون على يمينه يقبل علينا بوجهه” (مُسلم).

5- فَضل هذه النظرة وبركاتها ومَزيتها بأسرارها وأنوارها لا نَشكّ فيها البتّة، فالرّسول صلى الله عليه وسلم حين ينظر للمؤمن في وضعية الصلاة، وهو يناجي ربّه، أي في تمام الحـضور مَعه فهو القائل : “وَجعلت قرّة عيني في الصّلاة”، ولم يزل صلى الله عليه وسلم في هذه الحضرة دائما، وبالتالي ستجذبه هذه النظرة للحضرة القدسيّة لتضفي عليه من جمالها وبهائها ليحيى بها وفي بركاتها. وذاك كان حال الصحابة بأسرهم، فهذا ثمامة بن أثال الحنفي رضي الله عنه – وغيره كثير- يعبّر عن هذه الحقيقة بمزاياها قائلا بعد أن أسلم مباشرة في قصّة رائعة : - يا محمّد ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، وقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ ، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك فأصبح دينك أحبّ الدّين كلّه إليّ ، والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك فأصبح بلدك أحبّ البلاد إليّ".

6- هذه الرؤية إذن يسعد بها المؤمن السّعادة الأبديّة ، ونحن كمسلمين عامّة نعتقد في ذلك حتّى بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم ونحرص عليها حرص المصلّي على الصّلاة بالصفّ الأوّل، فَالأشواق المتنامية تهزّ المسلم وتحرّكه فلا يهنأ حتّى يطوي المسافات ويهجر الأهل والأوطان ويُنفق الغالي والنّفيس لِيَقفَ بَينَ يَديهِ ويُسلّمَ عَليه صلى الله عليه وسلم، فَيَبقى حيّا على هذا الأمل طيلة حياته. جَاءَ في الحديث الشريف: “مَن زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي” (الدّارقطني)، ويَقول أيضا :“مَن زارَني متعمّدًا كان في جواري يوم القيامة”.

7- المسرع للصفّ الأوّل سيسلّم على النبيّ صلى الله عليه وسلم مباشرة وأقرب ما يكون وسيردّ عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو ما نبّه إليه الفقهاء وأمروا كل مسلم ومسلمة باستحضاره في كلّ صلاة ، في كلّ زمان وفي كلّ مكان حتّى لا يحرموا هذه المكرمة. جاء في حاشية العدوي:“تنبيه: يَنبغي إذا قالَهُ -المقصود هو السلام على النبيّ صلى الله عليه وسلم في التشهد- المصلي أن يقصد حينئذ الرّوضة الشريفة”. وجاء في الحديث الشرّيف : “ما من أحد يسلّم عليّ إلاّ ردّ الله عليّ روحي حتّى أردّ عليه السلام”. فأيُّ سلام أبرك وأسعد يرجوه المؤمن في حياته؟

8- المسرع للصف الأوّل لا يكون إلاّ محبًّا، إذ لا يحرص على القرب من المحبوب إلاّ المحبّ المستعدِّ - لقربه والتفافه بمحبوبه- أن يفديه بروحه ونفسه التي بين جنبيه، وهو الشّرط اللازم في الحبّ الصادق المطلوب لكمال الإيمان. أما غير المحبّ فَيحبذ البعد ويكره القرب خوفًا من افتضاح أمره عند التمحيص، قال ابن الفارض في حقّ الأوّل:
وتلافي إنْ كانَ فيهِ ائتلافـــي بِكَ، عَــــجّلْ بِهِ، جُعِلْتُ فِداكا
وبما شئتَ في هواكَ اختبرني فاختياري ماكانَ فيهِ رضاكا

9- المُسرع للصف الأوّل – زيادة على صدق محبته – هو مظهر لهذه المحبّة ومعلن لها على رؤوس الملأ لأنّ المحبّة هي مشاعر باطنية تربط وتصل الحبيب بالمحبوب ليحيى بها وعليها في أيّ مكان وبالتالي باستطاعة المصلي أداء صلاته بأي مكان وهو محبّ. إلاَّ أن الحركة والانتقال من مكان إلى آخر في إسراعه إلى الصف الأوّل فسيلاحظه كلّ الحضور، وذاك هو إظهار المحبّة والتنافس فيها شكلا بلا حرج في ذلك من الشرع الذي طلب منّا الحرص عليه.

وخلاصة القول، إنَّ المسرع إلى الصلاة بالصفّ الأوّل هو الذي :
• يحافظ على الأخلاق والآداب المحمديّة.
• يَلتزم بأمر الشّارع أوّلا وآخرًا.
• يَحرص على الاقتراب من الرسول صلى الله عليه وسلم.
• يَقطع المسافات والفضاءات قصد الوصول
• يريد النظر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم مباشرة
• لا يريد أن يحجب عنه بصفوف المصلين أو بغيرها من الحجب
• يصل النبيّ صلى الله عليه وسلم ويفديه بالغالي والنفيس
• لا يترك السلام عليه صلى الله عليه وسلم
• لا يستقبل القبلة ولا يدخل الصلاة إلاّ بإمامته
• يحيى معتقدا في المعاني السامية

إلى غير ذلك من الدلالات والإشارات، ويجمعها قول ابن الفارض :

أنتــــــم فــــروضي ونفــــــلي *** أنتـــــــــم حديــــــثي وشغـــــلي
ياقـــــبــلتي فـــــي صــلاتــــي *** إذا وقـــــفــت أصــــــــــــــــــلي
جـــــمالكــــم نصــــــــب عيني *** إليــــــــــه وجّهــــــت كلّـــــــــي

أخيرا فهم الحديث بهذه الدلالات ومعانيها ممكن ومطلوب، وما يؤكد ذلك هو أن الصف الأوّل المتنافس عليه - ولو كان مقصودا ومطلوبا لذاته- لا يتسع للجميع الذين خاطبهم ويخاطبهم الحديث، في حين أنّ المعاني المُشارِ إليها تَسع الجميع ويمكن لكل مسلم ومسلمة أن يتمثلها ويعيشها في كل صفّ مهما كان الزمان والمكان ولا يحرم من أسرارها، وبالتالي فلا وجود لصفوف كثيرة بهذا المفهوم ، فكلها صف أوّل وأوحد ، وهذا ما يفهم من قول العلماء. جاء في حاشية العدويِّ :“وإذا فرغت من التشهد، فَلا تسلّم تسليمَةَ التّحليل حتّى تقول على جهة الاستحباب : السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين”. وعن مالك يستحب للمأموم إذا سلّم إمامه أن يقول : “السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين”.

وبِقدر ما في الحديث من تأكيد وحرص على أداء الصلاة بالصف الأوّل فيه كذلك دعوة الى التنافس في محبّة النبيّ صلى الله عليه وسلم وإظهار ذلك مهما كان المظهر ما دام في حدود الشرع، وما إعلان وإبداء الفرحة في الاحتفالات بعيد المولد إلاّ من هذا القبيل. فالحديث إذن عظيم بمضمونه ومعانيه، يمكن الوقوف عند ظاهره رغبة في الأجر والثواب الجزيل وهو مقصد العامة ومطلوب لذاته ، كما يستحب استحضار البعض من دلالاته المعنوية المساعدة على السير والتدرج عساها تلقي صاحبها بتلوّناته في الحضور الدّائم . وبذلك نَتَوَغَّل برفق في معانيه ودلالاته لننعمَ بِرَحيقهِ وحَلاوته التي يتذوقها المؤمن عند استحضار هذه المعاني في صلاته لِترشح في القلوب فتغذيها وتزيدها ثباتا ورسوخا في مقامات الحبّ والقرب إن لم نقل في حضرة لا تعترف بالفضاءات والمسافات وتستوي فيها الصفوف إذ كلها صفٌ أوّلُ، واحدًا ووحيدًا.

يا رب زدنا عشقا وشوقا ومحبة ...
يا رب أقمنا في هذه المقامات بجمالها ...
يا رب ثبتنا بها وعليها سالمين غانمين ...
يا رب واسقنا ذوقا ومعنى من نفحاتك السارية ...

آمين يا غياث المستغيثين

المراجع :

فتح الباري **** ج 2 ص 208
رياض الصالحين **** ص 273 + 411
شفاء السقام **** ص 31+32+40
كتاب الشفاء **** ص 383 –432
حاشية العدوى **** ج 1 ص 351—347
هامش السيرة الحلبية **** ج 2 ص 138
ديوان ابن الفارض **** ص156- 175

سيدي سالم الزينة،
مدينة بنان- الزاوية المدنية، جانفي 2014.




أرسل رسالة

Facebook