آداب وسلوك
هنا الطريق : الصفحة الاساسية » المكتبة السمعية البصرية » رجالٌ حول الشيخ المدنيّ. » العارف بالله سيدي الحاج حسن الزينة

العارف بالله سيدي الحاج حسن الزينة

فصلٌ لرسمٍ من نسخةٍ لأصلٍ

D 14 أكتوبر 2012     H 11:05     A المدني    


agrandir
بسم الله الرحمان الرحيم

فصلٌ لرسمٍ من نسخةٍ لأصلٍ

النفحات المُزَيَّنَة لسيرة سيدي الحاج حَسَن الزّينة

قَدَّسَ اللهُ سِرَّهُ.

سيدي الحاج حسن الزينة
يَقول الحقُّ تَبارك وتعالى : “وإذْ أخَذَ رَبُّكَ من بني آدمَ من ظهورهم ذُرِّياتهم وأشْهَدَهُم عَلى أنفسهم ألَستُ بِرَبّكم، قالوا بَلى شَهدنا، أنْ تَقولوا يومَ القيامة إنَّا كنَّا عَن هذَا غافلينَ”، الأعراف 172

شَهِدت وشاهَدت وأشْهِدت روحُه مع الأرواح، وعَهَدت وعاهَدت وعُهِدَ إليها مَع نقْطَة الإرادة الخالقة، عند نقطة الحِكمَة الكاتبة. فَصَدَقَت مع الصادقين، وسَطَّرَت في عالَم الشُّهود رسمًا مُحترمًا وأثَّرَت أثرًا مُبرمًا.

هي روح من القبضة المرحومة، ومن الثلة المختارة المعلومة، هي النفخة التي سَرت، والنَّسمَة التي تنفست وتقلبت حتى خُرِقَ لها السِّتارُ لعالم الحسِّ في لَحظة مَقدورَةٍ عبر فضاء الزمان والمكان بتاريخ 8 جانفي 1920 ببنان من ولاية المنستير .

نقطة الزمان والمكان هذه مَعلومَةٌ تأريخيا، فمن خصائصها المعروفة وقتَها انتشارُ الحروب والاستعمار والأزمات الاقتصادية والفاقة والجهل ... وما ينتج عن ذلك من فسادٍ ونقصٍ في التكوين والأخلاق والعلاقات التي قَد تغرق الفرد في أوساط العامة وتقيده بقيودها المختلَّة، وتلقي به في الغَفلَة والإهمال وربَّما الزيغُ والانحراف ...

إلا أن هذا الغلامَ وُلدَ ونشأ بَينَ أبَوَيْن كريمين من بيئة صوفية، وهي طريقتنا المدنية، طريقة أظلت بظلالها الوارفة –حسًّا ومعنى- سيدي الحاج حَسن الزينة واحتضنته كما أحاطت بِأبويه من قبل سيدي الحاج علي بن الحاج محمد بن حسن الزينة وزوجته المرحومة سالمة بنت حسن بن عبد الله عمر .

عاش ابنُهما وحيدَ أسْرَتِه مما زاد عنايتها به، فأوكلته منذ الصغر حَضرةُ الكلام الأزلي، وتَولاه فيها أحد أقاربه المُسمى المؤدب فرج المدب الذي كان رفيقًا به بحكم القرابة فلم يتقدم كثيرا في حفظ القرآن وهو ما أعاقه عن الالتحاق بجامع الزيتونة المعمور. وأمام حِرصِ والده على تنشئته النشأة العلمية والصوفيَّة النقيَّة أودعه بعد ذلك كتاب الزاوية المدنية بقصيبة المديوني ليحفظَ هناكَ كلام الله الحفظ الجيِّدَ على يد المؤدب سيدي أحمد الزواوي، رحمه الله وأعلى رتبته.

واستمرت علاقته بالزاوية المدنية وشيخِها سيدي محمد المدني، قدس الله روحه، بِحكم تَردُّدِه عَلَيها ونسبة والده إليها. فعاش سيدي الحاج حسن قَدَرَه هذا وتميّز بالتوازن والاعتدال طيلةَ حياته...

هذا الإطار الذي أظلَّ سيدي الحاج حسن الزينة بسابقية قوله تعالى“إنّ الذين سبقت لهم منا الحسنى”الأنبياء 101 جعله يَثبت في هذا المسار متخلِّصًا من كلّ القيود التي أشرنا إليها سابقا.

وما انتشله من كلّ ذلك هو صحبَتُه وملازمته وخدمته لشيخه وزاويته بكلّ صدق على أصعدة كثيرة، ما جعل الأستاذ محمد المدني يلقبه بِوكيل الزَّاوية، لما عايَنَ فيه من حسن التصرّف بحيث كان مع – جملة من الفقراء- يُشْرف ويَسهر ويُراقب الأعمال الفلاحيّة لشيخه في كامل مراحلها كما تولى جُملة من المعاملات المالية مثل البيع والشراء، وصيانة الزاوية وتلبية حاجياتها، محافظًا على مُمتلكاتها.

وكان يسمح له أن يدخل منزلَ الشيخ ويتردد على أهله كفرد من أفراد الأسرة كلّما اقتضت الحاجة، مما جعل أفراد هذه العائلة الكريمة ينادونه “حنيني” أي “جدّي” وفي الكلمة من دلالات الصلة والقرب والخصوصية ما لا يخفى على أحدٍ.

ومما يؤكد مكانته لدى شيخه كذلك زياراته إيّاه كلما تخلف عن الاجتماع، فلقد تَوَلَّى سنة 1955 بحكم مهنته الإشراف على إدارة مَعصرة زيتون، وهذا العمل يَقتضي الحضور الدّائم على عين المكان فكان أيامها لا يتمكَّنُ من حضور الاجتماع فكان الشيخ يزوره في المَعصَرَة ليتفقده ويسأل عن أحواله كلّ سبتٍ، وفي ذلك دلالة قويّة على عناية ورعاية الشّيخ بمريديه.

أمّا حبه وتعلقه بشيخه والتزامه المطلق بتوجيهاته فحدّث ولا حرج –وهو ما عرف به لدى القاصي والداني- وهذا شأنُ بقية الفقراء والمريدين الصادقين.

حضوره اجتماعات الذكر والمذاكرة والدرس دائم وميزة من مميزاته فلم يتخلف عنها إلاّ لعذر أو إذن. وما استأذن أو أُذِنَ وسمح له بتفقد أغراضه العائلية إلاّ ليعود إلى شيخه وزاويته من جديد وبسرعة دون انتظار فقلد توفيَّ ابنه “علي” صغيرًا، فأرسلت إليه زوجته لحضور تشييعه ودفنه على الأقل، فَحَضَرَ بعدَ مراسيل عدّة، كما أنه لم يتخلف عن كثير من سياحات الشيخ وتنقلاته، وحتَّى لا تَفوتَه فرصَةُ الحَجِّ مَع أستاذه سنة 1955 باعَ الكثيرَ من ممتلكاته وعقاراتِه ليَجمَعَ تكاليفَ هذه الرحلة المَيمونة، بحيث لم يعزّ عليه شيء في سبيل الصحبة .

إدراكه لأسرار الطريق وتشبثه بها وبآدابها وثباته على العهد وعدم تنازله عن الحقّ جعله يتعرّض إلى الإنكار والتنكير وربّما حتّى التشهير من الأقارب والأباعد فلم يثنه ذلك قيد أنملة بل زاده ثباتًا وتمكينًا وشموخًا في مقامه، فعاداه الكثير من الناس من أجل ذلك فحسب .

خصائص عدّة حافظ عليها مقتفيا آثار محبوبه فاهمًا ومدركا لإشاراته وتوجيهاته ممّا جعله يَصمد مع من صمد من الفقراء ويثبت معهم لتواصل الطريقة المدنية بعد انتقال الشيخ محمد المدني رضي الله عنه سنة 1959 فَجَدَّدَ عَهدَه وبَيعَتَه لِشيخنا الحالي سيدي مُحَمَّد المنور المدني، حفظه الله وأطال بقاءَه، فكان معه صادقًا ومخلصًا كما كان مع والِده في كلّ الصعوبات.

قد تغيب عنّا تفاصيل تراجم المختارين المصطفَيْن ولا يتسع لها المجال فلنجملها لصاحب هذه الترجمة في جملة من العناصر:

 التعريف :

الإسم واللقب : الحاج حسن بن الحاج علي بن الحاج محمد بن حسن الزينة

تاريخ ومكان الولادة : 8 جانفي 1920 ببنان

المهنة والعمل: الفلاحة-الحياكة-البناء-الخياطة التقليدية

الزوجة : فاطمة بنت خليفة بن فرج بن عمر

الأبناء : ترك من البنات : زهرة ورقية ومن الذكور محمد وسالم وجمال.

الخصائص والمميزات :

  • حسن السمت
  • حسن المظهر والهندام
  • جمال المَنظَر
  • الهيبة والوقار
  • الهدوء والرصانة
  • اللين والرفق
  • كثرة الصمت وقلة الكلام إلا عند اللزوم
  • الإطراق وحسن الإصغاء إلى المتحدّث
  • الصبر والتحمّل
  • القناعة والرضا
  • المعاملة بالحسنى
  • شديد في الحقّ لا يتنازل عنه
  • اتخاذ المواقف المعقولة والصائبة
  • البعد عن كل خلق ذميم ...

 المؤهلات العلمية :

  • حفظ القرآن كاملا
  • المعرفة الجيدة بالقراءة والكتابة
  • الإحاطة بالضروري من العلوم الدينية(عقيدة وشريعة)
  • الإحاطة بعلم الفرائض وتقسيم التركات ...

 الإشعاع على مستوى:

1- طريق القوم :

  • المحافظة والالتزام بالأوراد والأذكار
  • الاهتمام الكبير بخدمة الزاوية وتقديم ذلك على خدمة النفس والأهل
  • مدافع عن الطريق بكل حزم ولا يقبل فيه أي خدش أو انتقاص
  • يبذل كل الجهد في الاحتفالات بذكرى المولد النبوي الشريف
  • الحرص على خدمة الفقراء بنفسه في كل المناسبات .
  • لا يتخلّف عن السياحة ....

2- الحياة الخاصة :

  • الإمامة في صلاة التراويح
  • العناية بالنصح والإرشاد
  • مجالسة العلماء والأتقياء
  • إصلاح ذات البين
  • تنظيم الأختام القرآنية ونشرها في البيوت
  • الإشراف على تجهيز الأموات
  • الحرص على صلة الرَّحِم
  • كثرة الزيارات للأقارب والمعارف
  • الحرص على التقريب والتآلف
  • تجميع الناس على طاعة الله وقراءة القرآن

3- وفاته :

في صائفة 1992 بَدَأ يشعر بآلام على مستوى الساقين عند المشي أو الوقوف، تَحمّل وَصَبَرَ طويلاً حتَّى أقْعَدَه المَرض صابرًا محتسبًا إلا أن ابنه سيدي محمد مع بقية أفراد العائلة أصرُّوا على عَرضه على الأطباء المختصين وتنقلوا به من دكتور إلى آخر حتى وصلوا إلى العاصمة تونس حيث زاره أغلب الفقراء هناك –جازاهم الله خيرا- كما سهرت عائلة الولهازي في تمريضه بالمستشفى إلا أن الطبيب ناداه من قرب إلى حضرته فعادوا به إلى مسقط رأسه حيث مكث مدّة تحت التمريض زاره فيها أغلب الفقراء والأهالي والأقارب وغيرهم حتى كان النفس الأخير في هذه الدنيا “ليتنفس” بعدها في حضرة العلي الأعلى لحظةً أرّخ لها بيوم السبت 12 ديسمبر 1992 .

لحظة فراق صعب وشديد طاشت معها بعض العقول ، إلاّ أنّه الحق الذي لا مهرب منه وما بعدها خير وأبقى ... “يا أيّها الذين آمَنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتّقوا الله لعلّكم تفلحون” آل عمران 200

عاش سيدي الحاج صابرا مُكابدًا مُرابطًا مُحتسبًا وانتقل كذلك. فرحم الله سيدي الحاج حسن الزينة ومتّعه بالنظر إلى وجهه الكريم مع الصدّقين والشهداء وحسن أولائك رفيقا صحبة إخوانه بحضرة شيخه تحت لواء سيد المرسلين عليه من الله أزكى صلاة وتسليم.

4- خاتمة:

بعد تجهيزه والصلاة عليه آواه مثواه الأخير بمقبرة مدينة بنَّان، وبقي الناس يَتوافدون من قريبٍ ومن بعيدٍ للعَزَاء، جاء منهم أحد سكّان البلدة وجَلسَ بالمجلس صامتًا ولم يقدم تعزية، فقيل له في ذلك فقال : “لمن سأتقدّم بالعزاء؟ نحن كلّنا وأهل المدينة بأسرها نستحق أن يقدّم لها بأحرّ التعازي” شعور أجراه الله على لسانه وربّما حقيقةٌ تسحقّ التسجيل.

سيدي سالم الزينة.