حَلاَوَةُ الإيمان

بقلم الشيخ سيدي محمد المنوّر المدني

السبت 26 جوان 2010


بسم الله الرحمان الرحيم

والصَّلاةُ والسَّلام عَلَى أَحلمِ الحُلماء وَأَتقَى الأَتقياء، تاجِ الأَنْبيَاءِ، وَفَخَارِ الأَوليَاءِ، وَعَلَى آلِه وصَحَابَتِه، السَّادَةِ الكُبَرَاء، وَسَائِر العَارفِينَ الأَصفياء، ومَن نَهَجَ نَهجَهم إلى يَومِ اللِّقَاءِ.

أما بعد،

مِن بَين مَقَامَات المَعرفةِ التي يَتَنَافسُ في إدْرَاكها العَارفون، ويَتَسَامَى لنَيْلِهَا الواصلونَ، مقامُ اليقين وما يُعْقِبُهُ مِن حَلاَوَةِ الإيمان ونور الثَّبَاتِ وسَكينَة القَلْب. وعَلَى دَرْكِ هَذا المقام رَبَّى المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أصحابَه الأجِلاَّء. ولهذا يَقول سيِّدُنَا صُهيب الرومي رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :“عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أَمرَه كُلَّه خيرٌ، وَلَيسَ ذلك لأحدٍ، إلاَّ لِلمُؤمِنِ: إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيرًا لَه، وإنْ أَصَابَتْه ضَرَّاءَ صَبَرَ فَكانَ خَيرًا لَه”. (رواه مُسلم).

وبَعدَ أَنْ تَذَوَّقَ كبارُ الصحابة، العارفون بربهم حقَّ المعرفة، هذه السكينةَ عبّروا عن عميق إيمانِهم، وشوارق أنوارهم، المُستَمَّدَةِ من حَضرَةِ المصطفى صلوات الله وسَلاَمُه عَلَيْه. فهذا سيدنا العَبَّاس بنُ عَبد المُطلب يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ذَاقَ طَعمَ الإيمان مَن رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وبالإسْلاَمِ دينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسولاً”. (رواه مسلم والترمذي).

على أَنَّ حلاوةَ الإيمان الكُبرَى لا تُذَاق باللِّسَان، ولا يُعَبَّر عَنها بالبَيان، ولا تُدْرَك بمُقَارَعَة البرهان، وإنّمَا هي نورانيةٌ تُعَاش بصَفَاء الجَنَان. يَقول سيد الوجود عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: “ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوةَ الإيمان: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحبَّ إليه ممَّا سِواهُمَا، وَأَنْ يُحبَّ المَرءَ، لاَ يُحبِّهُ إلاَّ للهِ، وَأنْ يَكرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفر كَما يَكرَه أنْ يقذَفَ في النَّارِ” (رَواه البخاري ومسلم).

وهذا الذَّوقُ القَلبيُّ والنُّور البَاطنيُّ هو مَا عَاشَه الصَّحَابَة والعارفون، ومَا سَعَى للتحلِّي به العلماء العَامِلون. وهو الذي قدموه على المَصَالح الدنيوية العَاجِلَة، وحَارَبُوا به الأوهَام النفسيّةَ الوَاهيَةَ. ومن ذلك أنَّ عبدَ الله قال حدثنى أبي، حدثنا وكيع قال حدثنا أسامة بن زيد عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة قالت: جَاءَ رجلان من الأنصار يَختَصمَان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مَواريثَ بَينَهُمَا قد دَرَسَتْ، لَيسَ بينهما بَيِّنَةٌ، فَقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إنّكُمْ تَختَصِمُونَ إليَّ، وإنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَعَلَّ بَعضَكَم ألحنَ بِحجَّتِه - أَو قَد قَالَ لِحُجَّتِه - من بَعضٍ، فإنَّمَا أقضي بَينكم على نحو مَا أَسمع، فَمَن قَضَيتُ لَه مِن حَقِّ أَخِيهِ شيئًا فَلاَ يَأخذُهُ، فَإنَّمَا أَقطَعُ لَه قطعةً مِنَ النَّار يَأتي بها إسْطَامًا في عُنقه يوم القيامة”. فَبكَى الرجلان وقال كل واحد منهما: “حقي لأخي”. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :“أَمَّا إذ قلتما، فاذهَبَا فاقتَسمَا ثم تَوَخَّيَا الحقَّ، ثم اسْتَهِمَا، ثُمَّ لِيُحْلِلْ كلُّ واحدٍ منكما صاحبَهُ”. (تحفة 18174 معتلى 12572).
ولما سَمعَ المتخاصمان كلامَ سيدنا محمد، صَلَّى الله عليه وسلم، الجامعَ المانعَ، الذي حَرَّكَ الإيمان في صدورهما، وألهمهما خشيَةَ الله، والسعيَ إلَى الدار الآخرة، بَكَيا وتنازل كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه. وانتهت القضية بالإيمان والمحبة والامتثالِ لسيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ومِثْلُ هَذه السَّكينةِ القَلبيّة الراقية هي التي حَرَّكَت الأفئدةَ إلى الإيمان وهَدَتهَا إلى الإيقان وصَارَت سلوكًا مشرقًا يزيّنُ أحوالَ المُؤمِن. وقد روى المؤرخونَ أنَّ الكُفّارَ أغْرَوْا الشّاعرَ حسَّانَ بنَ ثابتٍ، قَبلَ دخوله دِينَ الإسلامِ بِمَبلَغٍ منَ المَالَ حتى يَهجُوَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلَّمَ. فَمَشَى ووَقفَ عَلَى رَبوَةٍ صَغيرَةٍ وفَكَّر فيما يريد قوله، إذ به يرى طلعةَ سيِّدنَا محمد صلى الله عليه وسلم، خير البرية، يَمشي والنُّورُ الربَّاني يتلألأ على مُحَيَّاه الشريف جلالاً وهيبةً و وقارًا، انشرَحَ صدره للإيمان ونطق لسانهُ بكلمة التوحيد ومشى للقوم وقال لهم: “هَذَا مَالُكُم وإنِّي أَشهَد أنَّه رسول الله”، قالوا: “ماذا دهاك ؟! مَا لهَذَا أرسلناك”. فأنشد يقول :

لَـــــمَّا رَأيـــــــت أنـــــوارَه سَطَعَت *** وضعت من خيفتي كفّي علَى بَصَري

خَوفًا على بصري من حسن صورته *** فَلَســـــــــــــت أنــــظره إلاَّ عَلَى قَدَر

رُوحٌ من النور في جسـمٍ من القمر *** كَحِلْيَــــــــة نُسِجَـت مـن الأنجم الزُّهْر

وخلاصة القول إنَّ أوَّلَ مراتب السلوك إيمانٌ لاَ يزول ولا يَحول، وإيقان لا تُؤَثِّرُ فيه الصوارف ولا القَواطع، وسكينة لا تَهُزُّهَا شدّةٌ دنيوية ولا يُضعِفُهَا إنكار المنكرين.

ونسأل الله العَلِيَّ الأعلى أن يُتَوِّجَ بمعرفة الله مَسَاعينا، ويجعل الاقترَابَ منه آكَدَ غاياتِنا ومَرَامِينا، وإليه مآل إشاراتنا كلّهَا ومعانينا، بجاه حرمة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عروسِ مَغَانِينَا.

بقلم الشيخ محمد المنوّر المدني،

سجل بإذاعة الزيتونة للقرآن الكريم، برنامج
آلاء من الرحمان” يوم 24/03/2010.




أرسل رسالة

Facebook