آداب وسلوك
هنا الطريق : الصفحة الاساسية » الشيخ حياته وآثاره » مؤلفات الشيخ سيّدي محمّد المنور المدني » خطب المولد » خطبة المولد النّبوي الشّريف 12 ربيع الأنور 1438 هجري الموافق 12 ديسمبر 2016 (...)

خطبة المولد النّبوي الشّريف 12 ربيع الأنور 1438 هجري الموافق 12 ديسمبر 2016 ميلادي

تأليف فضيلة الشيخ محمّد المنوّر المدني

D 15 ديسمبر 2016     H 22:26     A    


agrandir

اللهَــمَّ صلِّ وسَلّم وبـــارك على سيّدنــا محمّد وعلـــى آل سيّـــدنــا محمّـــد الّذي وُلـــدَ ونـــورُ وَجهـــه يَتَــــوقّد، وما وُلِـــدَ قَطُّ مثله في الوجود ولا يولدُ.

يا حاضرينَ سماعَ الذِّكـــر والسُّنــــَن * وسَالـكــين قـــويمَ النَّهـــجِ والسَّنَنِ
إن شِئْتـــم تَظفــــروا بالفَضْل والمِـنَن * وتَسلموا من جَمـيعِ البَأسِ والمِحَن
صَلُّوا على مَن أتَى بِالفَرض والسُّنَنِ
 
الحمد لله الّذي كرَّمَ الأكوانَ بالنّبيِّ الشّريف، ذي النَّسب الطيّب الطّاهر، وحَباها بِتَجلِّيه الواضح الظّاهر. نَحمده تعالى على ما أولانا من النِّعَم في الدّيـــن والأبـــدان، ونَشكــره، جلَّ شأنه، عــلى ما أكــرمنا بالانتـــساب إلى سَيِّد وَلَدِ عدنان، وأشهـــد أنْ لا إله إلاّ الله وَحده لا شريك له، وأنَّ عَظــيـــمنا وشفيعَنا وقائدَنــا سيّدَنا مُحــمدًا، أشـــرفُ الخَلــق مــن الإنـــس والجــان، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الجَزاء والإحسان.
أما بعد،
 
هَــذا النبيْ الــذي آيـــاتُه ظَهَرَت * أنوارُه قَد زَكَت في الخَلْـــق واشتَهَرتْ
مَدحي لَه فطرةٌ بالطَّبع قد فُطِرَت * قَــد بـــاحَ شَـــوقًا لَه سيـــــفُ بن يَزِن
صَلُّوا على مَن أتَى بِالفَرض والسُّنَنِ

 1- الرّسول، صلّى الله عليه وسلّم وأهل الصفّة:

شَمِل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بِعَطْفِه الأحْمَدي وفَيضهِ المَدَدِي سائرَ الصّحابة الكِرام، وآلَ بَيتِه العِظام، ولكنَّه اختصَّ مِنهم، على سبيل المَوَدة، فُقراء المهاجرين، المَعروفين بأهل الصفَّة الذّاكرين، الّذين كانوا يَأوُونَ إلى مَوضع مُظلّل في مَسجِده، بالمَدينَة المُنوّرة، يجاورونَ حَبيبَ الله، وعَنه يتلقّون أنوار الوحي وسَناه، يتعلّمون منه القرآن، ويَتَنَعَّمون في مَعارج الإحسان، يقومونَ اللّيلَ بالأذكار، ويَقضون النّهار في العِبادة والاعتبار. واختَلَف عَددُ مَن نَزل الصّفــة، باختلاف الأوقــات والأحـــوال، وتفـــيد الرّوايات أنّهــم كانـــوا في أغـــلب الأحيـــان بين السّبعيـــن والمائـــة، وقــد يزيـــدون على ذلك أو يقلّون بحسب تبدُّل أحوالهم من زواج، أو عَوْدَة لأهـــــل، أو يُسْر بعد عسر... ومُجمل من نزل الصّفــة نحـــوا مــن ستّمائــة صحــابيّ. وكــان رســـول الله صلى الله عليه وسلم ، يَدعـــوهـــم باللّيــل إذا تعـــشَّى فَيُفـــَرِّقـــهم علــى أصحــــابه، وتَــتَعـــشى طائـــفة منـــهم مَعه. وكانـــوا جميعًا مــن فُقـــراء المهـــاجـــريــن ومَساكِيــنِهــم، الّذيــن تـــركـــوا كلَّ ما يَملـــكـــون لِنُصـــرة الدِّيــن، وَوَفَـــدوا على طيـــبَةَ الغــــرّاء، لِصُحـــبة سيّـــد الأنبياء.
وقــــد وَصفَــــهُم البخــــاري بقــــوله: “وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الْإِسْلَامِ، لَا يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا  [1] .

ومن هذه الآثار السنيّة في مَحَبَّته وتعظيمه، لهم ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: “والله الذي لا إله إلا هو، إنْ كُنتُ لَأعتمدُ بِكَبِدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشدُّ الحَجرَ على بَطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يَخرجون منه، (...) إلى أن مَرَّ بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فتبسّم حين رآني، وعَرفَ ما في نفسي وما في وجهي، قال: أبا هريرةَ، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الْحَقْ، ومَضى فَتَبِعتُه، فَدَخَلَ فاستأذن فأُذِن لي، فدخل فوجد لبنًا في قَدَح، فقال: من أين هذا اللّبن؟ قالوا: أهداهُ لَكَ فلان أو فلانة، قال: أبا هريرة، قلتُ: لبيك يا رسول الله، قال: الْحَقْ إلى أهل الصُّفَّة فَادْعُهم لي، فَساءني ذلك، فقلتُ: وما هذا اللّبن في أهل الصُّفَّة؟! كنت أنا أحقّ أن أصيب من هذا اللّبن شَرْبَة أتقوّى بها، ولم يكن من طاعـة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بُدّ، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: أبا هريرة، قلتُ: لبّيك يا رسول الله، قال: خذ فأعطهم، قال: فأخذت القَدَح، فجعلت أعطيه الرّجل فيشرب حتّى يَرْوَى، ثمّ يردّ عليّ القَدَح، ثمّ أعطيه الآخر فيشرب حتّى يَرْوَى، حتّى انتهيت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقد رَوِيَ القوم كلّهم، فأخذ القَدَح فوضعه على يده، فنظر إليّ فتبسّم، فقال: أبا هريرة، قلتُ: لبّيك يا رسول الله، قال: بقيتُ أنا وأنت، قلتُ: صدقت يا رسول الله، فقال: اقعد فاشرب فقعدت فشربت، فقال: اشرب فشربت، فما زال يقول: اشرب حتّى قلتُ: لا والّذي بعثك بالحقّ ما أجد له مَسْلكًا، قال: فأرني، فأعطيته القَدَح، فحَمِدَ الله وسمّى، وشرب الفَضْلَة ) . وقال أبو هريرة رضي الله عنه في قصةٍ أخرى: (خَرَج النّبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقال:”ادْعُ لي أصحابي" أي: أهلَ الصُفَّة. فَجَعلت أتبعهم رجلاً رجلاً، فأوقظهم حتى جمعتهم فجئنا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم (...)، فَوَضَعَ لنا صحفة فيها صنيعٌ من شعيرٍ، وَوَضَعَ عليها يَدَه، وقال: خذوا باسم
الله. فَأكلنا ما شئنا، قال: ثمّ رَفعنا أيدينا، وقد قال رسول الله: حين وضعت الصّحفة: والّذي نفس محمّد بيده ما أمسى في
آل محمدٍ طعامٌ، ليس شيئًا تَرونه. فقلنا لأبي هريرة: قَدْرَ كمْ هي حين فرغتم؟ قال: مثلها حين وُضعت، إلاَّ أنَّ فيها أثَرَ الأصابع ) [2] .

ومن ذلك أيضا ما رواه أبو نَعيم قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلّى بالنّاس يَسقُطُ رِجالٌ من قَامَتهم لِما بهم من الخَصاصِيَّة أي ( من الجوع) وهم أصحاب الصفّة، حتّى يقولَ الأعرابُ: إنَّ هؤلاء مَجانين. فإذا قَضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، صلاتَه انصرَفَ إليهم فيقول: لو تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ اللهِ لَأَحْبَبْتُمْ أَنَّكُمْ تَزْدَادُونَ حَاجَةً وَفَاقَةً) [3]. ورَوى ابن المبارك وأبو نعيم بسند صحيح أنَّ أم المؤمنينَ عائشة رضي الله عنها كانت تَقف عندهم مأخوذة، فتُبطِئ الخُطى، حتّى إذا دخلت قال لها النّبيّ صلى الله عليه وسلم،: أَيْنَ كُنْتِ؟ قالت: ( يا رسول الله، سمعت قراءة رجل في المسجد ما سمعت مثله قط! فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مَا تَدْرِينَ مَنْ هَذَا؟ قالت: “لا”، قال: هَذَا سَالِمُ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، والحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمّتِي مِثْلَ هَذَا ) [4] .

وعن ابن عباس وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحاب الصّفة
فرأى فقرهم وجهدهم، فَطَيَّبَ قلوبهم، فقال: “أبْشروا يا أصحابَ الصّفــة، فمن لقيـــني من أمـــتي على النّعت الّذي أنتـــم علـــيه راضيا بما فيه فإنّه من رفاقي” [5] .

فَرضيَ الله عن أهل الصّفة، الّذين تشرّفوا بِمُجاورة النّبيِّ صلى الله عليه وسلم وآله، فَغَمَرَهم بفيض عَطفه وجَماله، وجَعلهم في الذّروة العليا من قُربه
وَوِصالِه، فكانوا من مراجع السّادة الصّوفيّة، ومن بَركاتِ اصْطِبارهم فاضَت أنوارُهُم السنيَّة.

في وَصفــه حَارت المُدَّاح والشّعراء * ونَعـــتُه وعُـــــلاه أعجــــزا الفِكَرا
بالمُصطفى لا تقـس شمسًا ولا قَمَرا * بالنور فاقَهُما مَـــع وَصْـفِه الحَسَن
صَلُّوا على مَن أتَى بِالفَرض والسُّنَنِ

 2-سيّدنا عبد الله بن مسعود :

ومن بين أكابر أهلِ الصُّفَّة وِرِجالها، ومعدن صَلاحها وأفْضالها، سيّدنا عَبد الله بن مسعود رضي الله عنه، مِن أوتادِ السّابقة الأولى وجِبالها، هاجَرَ الهجرتَيْن، وشَهِدَ بَدرًا، وصَلَّى للقبلتَيْن، هو سادس مَن حازوا شَرَفَ الإســلام، والتَّصديــــقِ بِسَيِّدِ الأنــام، حين كان يَرعى
غنمًا لأحدِ أغنياء قريش، فَمرَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصّديق قال: (يا غلام هل من لَبَنٍ؟ فقال سيّدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: نَعم، ولكني مؤتمن على ما مَعي. فقال: فهل معك شاة لا تدرُّ لَبَناً؟. قال ابن مسعود: فأعطيته إحداها، فَمَسَح ضَرعَها فنــزل اللّبن فحـــلب في إناءٍ فشـــرب وسقى أبا بكــر. ثمّ قــال للضّـــرع: أمْسكْ عــــن إنـــزال اللّبن. فَأمسك ) [6] فأسلمَ لمَّا عَرَفَ أنَّ هذا لا يَصدرُ إلاَّ عَن نَبي.

وهو أوّل من جَهر بالقرآن الكريم بعد الرّسول صلى الله عليه وسلم بمكّة حين اجتمع بعض أصحاب النّبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: نريد أن نُسْمِعَ قريشاً القرآن. فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنا لها. فقالوا له: نخشى عليك منهم فقال: إنَّ الله سَيمنعني. فقام ابن مسعود رضي الله عنه في ضحى اليوم التّالي وقريش مجتمعة في نواديها وتلا سورة الرّحمن، رافعًا بها صَوتَه، فقاموا إليه يَضربونَه على وَجْهه وكانَ سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم، يحبّ سماع القرآن من ابنِ مَسعود رضي الله عنه :

فَقد رَوى مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنّه قال: ( قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقْرَأ عليَّ القرآن قلت: يا رسول الله، أقْرَأ عَليكَ، وعَليكَ أُنزلَ؟ قال: إنّي أشتهي أن أسمعه من غَيْري، فقرأت عليه سورة النّساء حتّى بلغت: “فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً” [7] فقال: “حسبك ( أي كفى) فالتفت إليه فَإذا عَيْناه تَذرفان. ولذلك كان يقول:”والله الذي لا إلهَ غيرُه، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلاّ أنا أعلم أينَ أنْزِلت. ولا أنزلت آيةٌ من كتاب الله إلاّ أنا أعلــم فيمن أُنزلــت. ولو أعلـــمُ أحَــدًا أعلـــمَ منِّي بكتاب الله، تَبلغه الإبل، لَركبتُ إليه [8].
 
وورد عن القاسم بن عبد الرّحمن قال: (كان ابن مسعود يُلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم نَعْلَيه، ثمّ يَمشي أمامه بالعصا، حتّى إذا أتى مَجلسه نَزَعَ نَعْلَيه، فَأدخلها في ذراعَيْه وأعطاه العَصا، فإذا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم إلى نَعْلَيه، مَشى بالعصا أمامَه حتّى يدخل الحجرة قبلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يوقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نام ويستره إذا اغتسل، وكان صاحبَ سِواكه ووسادته ونَعْلَيْه )

ومرَّ أعرابي على سيّدنا عبد الله ابنَ مسعودٍ رضي الله عنه وعنده قومٌ يقرؤونَ القرآنَ، فقال: ما يصنعُ هؤلاء؟ فقال له ابن مسعودٍ: يقتسمونَ ميراثَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، [9] .

وحين مَرض سيّدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عادَه سيّدنا عثمان . وسأله: ممَّ تَشتكي يا عبد الله؟ قال: ذنوبي. قال عثمان: فما تشتهي؟ قال عبد الله: رحمةَ ربّي. قال: ألا آمر لك بطبيب؟ قال عبد الله: الطّبيب أمرضني. قال: ألا آمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه قال: يكون لبناتك، قال: أتخشى على بناتي الفقر وقد أمرت بناتي أن يقرأن في كل ليلة سورة الواقعة فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَن قَرَأ سورة الواقعة في كلّ ليلة لم تُصبه فاقة أبدًا.
ومـــن أقــــوالـــه المأثـــورة أنّــــه قـــال: ليس العلم بكثرة الرّواية ولكن العلم الخشية لله.

يا سيدَ الرُّسل يا كهــــــفي ومُعتَمدي * أشكــو إليكَ ومَن يشكو إليك هُدي
فَانظر لحالي وسَل نَصري وخذ بيدي * فمن رَجــاك كُفي في السر والعلن
صَلُّوا على مَن أتَى بِالفَرض والسُّنَنِ
 

 3- الاسم المفرد:

ومن بين شعائر الطّريق الرّاقية، الّتي ثابر عليه أهل الصّفة وسائر الصّحابة الإكثار من ذكر الله. ومنه ذِكر الاسم الأعظم الّذي دَرج على تلقينه شيوخ التّربية للمريدين، في كلِّ عصرٍ ومصرٍ، لأنَّ الذّكر مَصقلةٌ للقلوب، مَجلَبَةٌ لأسرار الغيوب، يَرقى المريد به إلى أعلى المقامات،ويرفعه الله في المعرفة، إلى أسنى المشاهدات. ويستمدّ الذّكر بالاسم المفرد “الله” مشروعيته من العديد من الآيات ومنها قوله تعالى: “واذكر اسمَ رَبِّكَ وتَبَتَّل إلَيهِ تَبتيلاً [10]” ، وقوله تعالى لحبيبه، :“قل الله ثمّ ذَرهم [11] ، وقوله تعالى: “وَاذْكُر اسمَ رَبِّكَ بُكرَةً وأصيلا [12]. وأما الأحاديث الّتي تعضد هذه الآيات فمنها ما رواه سيّدنا أنس بن مالك، رضي الله عنه، عن النّبي: “لا تقوم السّاعة حتّى لا يقال في الأرض: الله، الله”. وفي رواية أخرى عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: “لا تقوم السّاعة على أحد يقول: الله، الله [13].

 وأخرج الإمام أحمد، في الزّهد، عن ثابت رضي الله عنه قال: كان سَلمان في عِصَابَة (أي: جَماعةٍ) يَذكرون الله، فَمَرَّ النّبي فَكَفُّوا فقال: ما كنتم تقولون؟ قلنا: نذكر الله، الله، فقال: إنّي رأيت الرّحمة تنزّل عليكم، فأحببت أن أشارككم فيها ثمّ قال : الحمد لله الّذي جعل في أمّتي مَن أمِرت أن أصبرَ مَعهم [14].

ولئن اختلفت آراء العلماء في تعييــن الاسم الأعظــم فإنَّ غالبيتــهم ترجّــح أنّــه “الله”، فقــد رأى الإمام ابــن عابــدين في حاشيــته، عــند شــرح البسملة، أنَّ لفظ (الله) هو الأعظم على ما رواه هشام عن الإمام أبي حنيفة. وبه قال الطحاوي. 
وقـــال العلامـــة المُحَدِّث المنـــاوي:“الذكــر عنــد أهل الطّـــرق من الأركـــان المـــوصلة إلى الله تعـــالى (...) وليـــس للمســـافر إلى الله في سلـــوكه أنفـــعَ مـــن الذّكــر المفـــرد القاطـــع من الأفئدة الأغيار وهو”الله" [15].

وقال الإمام الجنيد رضي الله عنه : ذاكر هذا الاسم (الله) ذاهب عن نفسه متّصــل بربّه قائـــم بأداء حقّه ناظـــر إليــه بقلبه قد أحرقت أنوار الشّهود صفات بشريته.

وقال العلامة الخادمي رحمه الله واعلم أن اسم الجلالة (الله) هو الاسم الأعظم عند أبي حنيفة والكسائي والشّعبي وإسماعيل بن إسحاق وأبي حفص وسائر جمهور العلماء وهو اعتقاد جماهير مشايخ الصّوفيّة ومحقّقي العارفين فإنّه لا ذكر عندهم لصاحب مقام فوق مقام الذّكر باسم الله مجرّدا قال الله لنبيّه المصطفى عليه الصّلاة والسّلام: “قل الله ثمّ ذرهم”.

وقــال الإمـــام ابن عجيـــبة رضي الله عنه الاسم المفـــرد (الله) هـــو سلطــــان الأسمـــاء وهو اسم الله الأعظــــم ولا يـــزال المريد يذكره بلسانه ويهتز به حتّى يمتزج بلحمه ودمه وتسري أنواره في كلّياته وجزئياته.. ). [16] .

وقال الشّيخ أبو العبّاس المُرسي، رَضي الله عنه،: “ليكن ذكرك (الله، الله) فإنَّ هذا الاسمَ سلطان الأسماء، وله بساطٌ وثَمرةٌ. فَبساطه العلم، وثَمرته النّورُ، وليس النّور مقصودًا لذاته، بل لما يَقع به من الكشف والعيان، فينبغي الإكثار من ذكره واختياره على سائر الأذكار لتضمّنه جميع ما في (لا إله إلا الله) من العقائد والعلوم والآداب والحقائق” [17].

قال العلامة مقديش الصّفاقسي في كتابِه (نُورُ الحَقِّ المُبين): “ومِن هُنا ظَهَرَ أنَّ ذكرَ اسمِ الجَلالَة مِن غَيرِ تَركيبٍ، بِنَفْي ولا إثْبَاتٍ، صَحيحٌ، له فائدة صَحيحة، كَما عَوَّل َعَليه كثيرٌ من أهل الذّكر”.

ويرى سيّدي أحمد العلاوي، رضي الله عنه، في رسالته عن الإسم المفرد: “ومِن جملة ما يرجع إلى ذكر الاسم المفرد بإسقاط أداة النّداء، فإنهم (أي الذّاكرون)، بما التزموا به، بموجب قوله ‏تعالى: (قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى)، فَتَوَجَّهت عنايتهم إلى أول مأمور ‏بذكره، وهو قولنا: الله وعند محاولتهم واستفراغهم الجهد، واستغراق الهمّة في الخلوات والجَلوات، قياما و‏قعودا وعلى جنوبهم، احتفاظا منهم بواجب الدّعاء المأمور به, دفعهم التّوفيق الإلهي إلى لزوم إسقاط حرف ‏النّداء، وكل ذلك لما تَطلُبُهم به حَضرَةُ القُرب، بناء على أن أدوات النّداء جاءت للبعيد لا لمن هو أقرب إلينا من ‏حبل الوريد”.

ويقول الشّيخ الوالد، سيّدي محمّد المدنيّ، نَوَّر الله ضَريحَه: “فَالذَّاكر بِالاسم المُفْرَد يَستَحضر جميعَ صِفاتِ الكَمَال لِله الّذي أرسَلَ رَسولَه بِالهُدى، مَع تَنزيــهه عَنْ أضْدَادِهـــا، فَتَفيضَ عَـــلَيْه أنـــوارُ التَّوحيد، ويَستغـــرق في بِحَار العَظَـــمَة والتَّفـــريد، حَتَّى يَفنى عَن كلِّ مَا سِواهُ ويَبْقى بِنُورِه وسَنَاهُ. ويقول أيضا في بعض قصائده:

اذكرْ الاسـمَ الأعْظَم، واظِبْ عَلَيْه تغنم * وخـــضْ بحرَ القــدم فذاك بَحر الله 
يا فــارج الهـــمّ عمن للنبــي لجـــــــا * اجعل لِعـــبيدك من ضيق بهم فَرجًا
ولا تُخيــب إلهـــي منـهم فيـــــك رجا * أنقذه بالمصـطفى من وَحلة المحن
صلوا على من أتى بالفرض و السنن

 4. الخاتمة:

قــال الحكيــــم التّـــــرمذي:”إنّمـــا جعـــل تراب الأرض طهـــورا لهـــذه الأمّة لأنّهـــا لمّا أحــــسّت بمــــولد نبيهــــا انبســـطت وتمـــدّدت وتطاولت وأزهرت وأينعت وافتخرت على السّماء وسائر الخلق بأنّه منّي خـــلق وعلى ظهري تأتيه كرامة الله وعلى
بقاعي يسجد بجبهته وفي بطني مدفنه فلمّا جرت رداء فخرها بذلك جعل ترابها طهورا لأمّته ، فالتّيمم هديّة من الله لهذه الأمّة خاصة لتدوم لهم الطّهارة في جميع الأحوال والأزمان " [18].
 
 والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 


[1البخاري

[2أبو هريرة 

[3أبو نعيم

[4أبو نعيم

[5ابن عباس

[6أحمد وغيره

[7سورة النساء 41

[8البخاري

[9ذكره ابن عطية في مقدمة تفسيره المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج. 1، ص.37

[10المزمل: 8.

[11الأنعام: 91.

[12الإنسان: 25.

[13مُسلم، كتاب الإيمان.

[14جلال الدين السيوطي، الحَاوي للفتاوي، ج. 2، 27.

[15 فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ج.2 ص. 359.

[16تجريد ابن عجيببة على شرح متن الأجرومية، ص. 15

[17نور التحقيق ص 174.

[18حديث حسن، مروي في فيض القدير،