آداب وسلوك
هنا الطريق : الصفحة الاساسية » كتابات صوفية » المحمديات » كانَ الإسراءُ يقظةً...

كانَ الإسراءُ يقظةً...

D 26 ماي 2012     H 10:35     A المدني    


agrandir

وَاخْتَلف علماءُ الأمَّة أَكانَ إسراء النبيء، صلى الله عليه وسلَّم، إلى ربّه بِجسده أم بروحه، يَقَظَةً أو مَنَامًا. واختلفت أَدِلّتُهم وأسانيدهم. ومن لَطيف ما ألهم اللهُ شيخَ شَيخِنا، سيدي العلامة الطاهر بن عاشور هذا الاستدلالُ البارعُ:

"وَرُؤيَا الأنْبياء وَحْيٌ. وكانَ أوَّلُ مَا بُدىء به رَسولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، الرُّؤيَا الصَّادقَةُ. ولَكنَّ الشريعةَ لَم يُوحَ بها إلَيه إلاَّ فِي اليَقَظَةِ مَع رُؤيَة جِبريلَ دونَ رؤيَا المَنام.

وإنَّمَا كانت الرُّؤيا وَحْياً لَه في غَير التَّشريعِ مِثلَ الكَشف على مَا يَقَع، ومَا أعَدَّ له، وبَعضِ مَا يَحلُّ بِأمته أو بأصحابه. فَقد رَأى في المنام أنَّه يُهاجِر من مكةَ إلى أرْضٍ ذَاتِ نَخلٍ، فَلم يُهاجِر حَتَّى أُذنَ له في الهجرة، كَما أخبر بذلك أبَا بكر رضي الله عنه. ورأى بَقراً تُذبح فكان تأويل رؤياه مَن استشهدَ من المسلمين يَومَ أحدٍ.

ولَقد يُرجَّحُ قولُ القائلين من السَّلَف بأنَّ الإِسرَاءَ بِرسول الله، صَلَّى الله عليه وسلم، كانَ يَقَظَةً وبالجَسَد عَلى قول القائلين بأنَّه كانَ في المنام وبالرِّوح خاصة. فإنَّ في حديث الإِسراء أنَّ اللهَ فرَضَ الصَّلاةَ في لَيلَتِه. والصَّلاةُ ثاني أركانِ الإِسْلام فَهي حَقَيقَةٌ (أي جديرة) بأنْ تُفْرَضَ في أكْمَل أحوال الوَحْيِ للنبي، صلى الله عليه وسلم، وهو حَالُ اليَقظة فَافهم. (انتهى كلام الشيخ ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج. 23، ص. 150، تفسير الآية 102 من سورة الصافات).

قلتُ: نَوْمُه، صَلَّى الله عليه وسلم، اتّصالٌ ومُشاهَدَة، فقَلبه لا ينام، فَكَيفَ بِيَقَظَتِه مُتَأَنِّسًا بخطاب ذي الجلال والإكرام، إنَّمَا الوحيُ سرٌّ ربَّانِيٌّ لَطيفٌ، لا يَتَفَاوت فِيه عِزِّ الإقبال الإلهيّ عَلَى صَفِيّهِ وحَبيبه، أكان يقظَةً أو مَنَامًا.

ن. المدني، الزاوية المدنية، باريس.