من أهم الرسائل التي كتبها سيدي الشيخ محمد المدني إلى سيدي الشيخ اسماعيل الهادفي

الاحد 3 فيفري 2019, بقلم المدني


التصوف حال ينشأ عن تفراد الوجهة الى الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم
من أهم الرسائل التي كتبها سيدي الشيخ محمد المدني إلى سيدي الشيخ اسماعيل الهادفي، رضي الله عنهما. دُستُورٌ للصوفية يُبين قواعد السير إلى الله.

1. العَلاَّمة المَبرور والصَّديق الصادق المَشكور، الصوفي الكامل، سيدي الشيخ إسماعيل بن عثمان الهادفي، نَفَعَ الله بكم العبادَ والبلادَ، والسَّلام عليكم وعلى جَميع أهل نسبة الله ورحمة الله وبركاته.

2. أما بعد، فَقد تَشَرَّفنا بِكِتابكم الكريم، المُنبئِ عن كَامِلِ المَحَبَّة والوداد، ورسوخِ القَدَم فيما يرضي اللهَ ورسولَه، من التذكير والإرشاد. وذلكَ هو الأمرُ الذي خُلقنا مِن أجْله. وأسِّسَت طريقُ الصوفية عليه، جاريةً مَجْرَى ما أمَرَ الله به ونهى عنه: “يا بُنَيَّ أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنهَ عن المنكر واصبر على ما أصابك (سورة لقمان:الآية 17)”، فَكُن، بارك الله فيكم، راسخَ القَدَم في حَضرَة القِدَم، ولو كان المُدْبرونَ أضعافَ المُقْبلينَ، فلا يَضرُّكمْ كيدُهُم شيئًاً. وأعظم مِنَّةً على المؤمن أن يجْعَله الله مرشداً لعباده المؤمنينَ، ينشر هدايتَهُ الإسلامية وحَقائقه الإحسانية ومَعارفه الإلهيَّة، حتى يَهدي به الله، وبأمثاله، مَن يَشاءُ مِن عباده. هذا هو الذي نَرجوه لكم، نَفَعَ الله بكم العباد والبلاد. “ولَو يَهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك مِنْ حُمْر النَّعَم”. ومَا عَلى المرشد إلا أن يَكونَ شَمسًا مُشرقةً، يَستمد من ضوئها الأقمارُ والكواكبُ.

3. وقَد رَجعتُ إلَى الزاوية من زيارتِكم في سَلامَةٍ وعافيةٍ، ظاهرًا وباطنًا، وقد انشرَحَ صدري باجتماعي مع أولئك الرجال، أهل نسبة الله، بتلك البلاد المباركة، بلاد الجريد عموماً، سيما أهل توزر ونَفطة ودقاش والحامة، فإني قد رأيت رجالاً، تَفَرَّستُ فيهم سلامَةَ القلب وصحةَ الاعتقاد، والمَحَبَّة الخالصة، ورأيت أنْ سَيَنتَشر فيهم عِلمُ التصوف والحقائق الإلهية، فيكونون، إن شاء الله، مِمن أتاهم اللهُ العلمَ اللدنِّيَّ، “وما ذلك على الله بعزيز (ٳبراهيم: الآية 20- فاطر:الآية 17 )”.

4. وأوصيكم بما أوصاني به أستاذي، بالصِّدْق في المعاملة، والثبات في المواصلة، “يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ (إبراهيم: 27)”، فَكونوا على قَدَمٍ وساقٍ في اكتساب الفضائل واجتِناب الرذائل، والحُضور مع الله الذي هو الغاية المَقصودة والضَّالَة المنشودة. والوصية لا يَحتاج إليها ولا يتوقف عليها مَن كان له زاجرٌ من نَفسه، يَأمره ويَنهاه في العبادات الظاهرة، عبادة الجوارح، أو في الحُضور مع الله، عَزَّ وجَلَّ، عبادة الباطن، وهما جهَتَان لا بد للسائر منهما، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: “إياك نَعبد وإياكَ نَستعين” (الفاتحة:الآية 5 )، وذلكَ هو الصراط المستقيم الذي يَلزَم السيرُ عليهِ. وهو الأمر الذي أوصيكم به ونفسي حتى نَكونَ ممن أنعم الله عليهم، إن شاء الله.

5. وأما نَظر بعض الصوفية بأنَّ المريد ليسَ له أن يَزور إلا شيخه، فذلك أمر ربما يقتضيه الحال في بعض الأوقات. أمَّا نَظَري، فإنَّ المريد له أن يزور جميعَ إخوانه المؤمنين، فضلاً عن إخوانه الذاكرين. وذلك كله عند بداية سَير المريد. وأما مَن حَصَل على ذوق البَقَاء بعد الفناء، أو نقول على الفَرق بعد الجمع، فله سديدُ النظر وأوسعه، يَسير سَيرَ رجل مجتهد لإصابة الصواب، وما عَلَيه شيءٌ إذا لم يصبهُ، بَل لَه أجرٌ واحدٌ.

6. وما عليَّ إلا أن أوصيكم ونفسي بتقوى الله، عز وجل، ونقرأ جميعاً قوله تعالى:“ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ”. (الأنفال: الآية 29).

7. ثم حَدِّثْ عن اشتياقنا إلى جميع مَن جالسناهم في الله (في تلك البلاد)، وحَظينا عندهم بالإكرام الجزيل، ولا حَرَجَ، فَلسنا ممن يشكر عظيم الفضل باللسان أو برسم البَنَان، إنما نعظم ذلك بالجَنَان، ونفوِّض أمر مجازاته إلى الرحمن، فهو الذي يَجزي أجرَ مَن أحسن عملاً.

8. ثمّ عليَّ أن أوصيكم ونفسي بتقوى الله ما استطعتم، والثبات على العهد والوفاء به، “وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَنؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا” (الفتح:الآية 10)، ثمَّ أوصيكم ونفسي أن نُعاملَ جميعَ إخواننا، خصوصاً المسيئين منهم، بالإغضاء والعفو عمَّا جَرى به القضاء، فإنَّ العفوَ والصفح والغفرانَ جزاؤه من الله مِثله، “وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (التغابن: الآية 14)”، فلا يورثكم الجفاءَ ما ترونه من المخالفة في إخوانكم، أو نقول في شيخكم، فإن مَن أحبَّ أن لا يُعْصى اللهُ في مملكته، فقد أحب أن لا تَظهرَ رحمته ومَغفرته.

9. إنَّما على المؤمن أن يُعجل بالتوبة والإقلاع عمَّا يَصدر منه، “فإنَّ الله يحب التوابين ويحب المتطهرين” (البقرة: الآية 222)، واعلموا أنَّ أطيب ثمرة يقتطفها المريد السالك هي ثمرة المعرفة بالله، والغيبة عن من سواه. والاسم الأعظم هو الذي يُوصل إلى مُسمَّاه، “وقل الله ثم ذرهم” (الأنعام: الآية 91). متعنا الله وإياكم بالنظر إلى ذات الرحمن، في دار الجنان، وثبتنا على الإيمان في دار الإيقان، وهدانا الله وإياكم إلى خير القول والعمل، بجاه سيد الرسل صلى الله عليه وسلم، والله ولينا ووليكم.

10. واعلموا أنَّ الإنسان مع نيته، “والأعمال بالنيات”، ومثلها الأقوال، واللسان بما عودته، ولا بد للمريد من التحفظ بقدر الاستطاعة، ويَجتهدَ أن يعوّد لسانه بما فيه الحكمة البالغة، العائدة على المتكلم والسامع بما يقرب إلى الله زُلفى.

11. ثمَّ إنَّ الناسَ تختلف نيتهم باختِلاف أحوالهم، فَيَلزم الانتباه بما يقع من الفتن بَين أفراد النسبة، أو بينَهم وبين قُدوتهم، بسبب دخول الدنيا، وإنَّما في سيرنا نُحذر الفقراء من التسلّف من بعضهم، لما يَنتج عن ذلك من التنافر والتباغض، ثم ما على الأستاذ إلا ضيافة إخوانه قدر طاقته، والفقراء مطالبون بواجب أستاذهم والإنفاق عليه بقدر وُسعهم، ولو كان عنده مال قارونَ، حتى لا تفسُدَ نية المريد، فتتعلق همته بالطمع والنهم الدنيوي الفاني، فَينقطع عن طلب التقرب إلى الله، حَفِظَنا الله وإياكم.

. ثم ما يَدخل من الفشل والكسل على الأفراد المُنتَسبين، فلا مَدخلَ للشيخ فيه. إنما عليه التذكير بلا انفكاكٍ، وما عليه من هداية القوم شيء، واقرأ إن شئت قوله تعالى لنبيه، عليه الصلاة والسلام: “فَذَكِّر إنما أنت مُذكر لست عليهم بمسيطر” (الغاشية: الآية 21-22 ) وقوله تعالى: “لَيس عليك هداهم ولكن الله يَهدي من يشاء” (البقرة: الآية 272). فما المذاكرة من المرشدين إلا غيثٌ للقلوب الطاهرة، فَتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. وأما على القلوب المريضة، فَتَردُّه بعد ما تَبيَّن لها الهدى، “والله يهدي من يشاء ويضل مَن يشاء” (الرعد: 13)، “لا يُسأل عمَّا يفعل” (الأنبياء: 23)، نَسأله تعالى أن يُوَفِّقنا لصالح القول والعمل، ويَحفظنا من الزَّيغ والزَّلَل.

13. وأمَّا مَن يَتَقَوَّى بإقبال الناس عليه، ويَضعف بإدبارهم، فَقَلَّ أن تَسلم بصيرته من الانطماس، (عِبارته من الالتباس)، حَفظنا الله وإياكم. فَما علينا وعليكم إلا إقامة الصلاة، وجَميع الواجبات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم نَتَوَاصَى بالحق والصبر عليه، “وذَكِّر فإنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤمِنينَ” (سورة الذاريات: 55). ثم عَلينا جميعاً بالإخلاص في طاعة الله والتوجه إليه، والإعراض بالقلب عمن سواه، والاستغراق في ذات الله، و“قل الله” وافنَ عن هاته الموجودات، “والله وَلينا وَوَليُّكم وهو يَتَوَلَّى الصالحين”.

14. واعلموا أنَّ نشاط ساداتنا الفقراء، أهل نسبة الله ونهضتهم في طريق الله، عزَّ وجلَّ، هو الأمر الذي يستحق الفرح والسرور لأنه الأمر الباقي الذي نلقاه بَينَ يَدي الله، عز وجل، في “يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم”(الشعراء: الآية 88-89)

15. فَعليكم، أيها الإخوان بالعمل بما يرضي الله ورسوله، ويطهر القلبَ من الأهواء، حتى نكون جميعاً إن شاء الله مِمن استثناهم الله تعالى، فننتفع بقلوبنا السليمة، ونتمتع بالنظر إلى تلك الذات الكريمة. ومن شَعائر المنتسبين أنهم يؤثرون على أنفسهم، وينفقون في كلّ حين، فأنفقوا من معانيكم على إخوانكم، كما تنفقون من مادتكم، حتى يُصلحَ الله بكم الظاهر والباطن، ويَنفعَ بكم في جميع المَواطن.

16. ثمَّ نَتواصى بالوفاء بالعَهد والثبات على الود وتَقوى الله، حسب الاستطاعة، والله ولي التوفيق والهادي لأقوم طَريق.

17. ثم إني أقول لكم إنَّ آدابَ التصوف ومبادئه تمكن قراءتها بالدروس والتلقي، بالتعبير والتحرير. وأما روحُ التصوف، الذي هو الفناء في ذات الله، عز وجلّ، والبقاء به، فلا بد فيه من حسن التوجه وكثرة الذكر بالاسم المفرد، الذي تطمئن به القلوب. فالتصوف حالٌ يَنشأ عن إفراد الوجهة إلى الله تعالى، والعَمَل بما عَلَّم العبد فيورثه الله علم ما لا يعلم، وطول الأمد فيه تربية للإنسان، مهما كان شأنه، “والله مع الصابرين”. فَالمواظبة على ذكر الله والإكثار منه تطمئن به القلوب، فَيقذف الحق على الباطل فيدمغه، ولا يتحقق الجهاد الأكبر إلا بمقابلة جُندَيْ الحق والباطل. فإنهما لا يفارقان السالكَ والواصلَ والعارفَ بالله، على اختلاف المراتب، ولا يظن الصوفي أنه إذا انهزَم جند الباطل توقفت دواليب الحرب. كَلاَّ بل تقوم جنودٌ أخرى بلون آخر، وهكذا حتى تختم الأنفاس، فيقرأه: “ألا إنَّ حزبَ الله هم الغالبون”. ولا تنقطع ذلك الحرب إلا للرسل عليهم الصلاة والسلام. أما عباد الله المخلصون فليس للشيطان عليهم سبيل وإنْ خاصمهم وحاربهم، فالعاقبة للمتقين.

18. فَسَلِّموا منا على أهل الصدق في المحبة والجد في الرغبة، وقد تكاثرت علينا نعمكم وهداياكم والله يرزقكم بأحسن ما كنتم تعملون، وما زلت أكرر لكم كلمة مولانا الإمام سيدنا أحمد العلاوي، رضي الله عنه، وهي قوله: “والله إني لا أفرح بالهدية، ولكني أفرح بمُهديها لما أرى عليه من شعائر الانتساب”.

19. والسلام من محرره، العبد الضعيف محمد المدني العلاوي.




أرسل رسالة

Facebook
Madaniyya Page Facebook

Visiteurs connectés : 12

الطريقة المدنية | للاتصال | محتوى الموقع | Youtube
TUNISIA: Tunis: +216 22 55 74 30 | FRANCE : Paris: +33 6 77 83 52 99 | Lyon: +33 6 95 42 30 93 | Grenoble: +33 6 63 12 78 30 | Le Havre +33 6 13 95 21 24 | UK: London: +44 7533 741 559 | US: New York: (1-646)799-3463