آداب وسلوك
هنا الطريق : الصفحة الاساسية » كتابات صوفية » القرآن الكريم » مَراتب الكمال

مَراتب الكمال

حَسَبَ ابنِ عاشُور

D 26 جوان 2012     H 20:39     A المدني    


agrandir

ومِمَّا جاءَ في تَفسير العَلاَّمَة الشيخ الطّاهر بن عاشور، رضيَ الله عنه، مُتحدِّثًا عن مَراتِب الكَمال التي تَسْمو إليها أنْفس العَارفين وذلكَ أثْنَاءَ شَرْحه للآية الكريمة: “سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلاَمٌ عَلَىٰ الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الصَّافَات 180- 182). وإنَّ هَذه المَعانِي المُسْتَخْلَصةَ والإشارات الرقيقة الراقية لتدلُّ عَلَى رسوخ الرَّجُل في علوم الحقيقة وتبحّره في لَطائفها، رَحمه الله رحمةً واسعةً.

1- ”وَهذه الآية فَذْلَكَةٌ (أي خلاصةٌ) لِما احْتَوتْ عَلَيه السورة (أي سورة الصّافَّات) مِنَ الأغْراض: جَمَعت تَنزيهَ الله، والثَّناءَ عَلَى الرسل والملائكة، وحَمْدَ اللهِ عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْره مِن نِعْمَةٍ عَلَى المُسْلمين مِنْ هُدًى ونَصْرٍ وفَوْزٍ بالنعيم المقيم.

2- وهَذه المَقاصد الثلاثة (التَّنزيه والثَّنَاء والحَمدُ) هي أصولُ كمالِ النُّفوس في العَاجل والآجل، لأنَّ مَعرفَةَ اللهِ تَعالَى بِما يَليق به تُنْقِذُ النَّفسَ مِن الوُقُوع في مَهاوي الجَهَالَة المُفْضية إلى الضَّلاَلَةِ فَسوءِ الحالة. وإنما يَتِمُّ ذلكَ بِتنزيهه عمَّا لا يليق به. فأشار قوله: “سُبحانَ ربِّكَ” الخ إلى تنزيهه، وأشار وَصفُ :“رَبّ العِزَّة” إلى التوصيف بصفات الكمال، فإنَّ العِزَّةَ تَجْمَع الصِّفَاتِ النفسية وصفاتِ المعاني والمعنوية لأن الربوبية هي كمال الاستغناء عن الغير.

3- ولَمَّا كَانت النفوس - وإنْ تَفاوتَت في مَراتِب الكمال- لا تَسْلَم من نَقْصٍ أو حَيْرَةٍ كَانت في حاجةٍ إلى مُرشِدينَ يُبَلِّغونَها مَراتبَ الكَمال بإرشاد الله تعالى وذلك بواسطة الرُّسل إلى النَّاس، وبِواسطة المُبَلِّغينَ من الملائكة إلى الرُّسل. وكانت غاية ذلك هي بلوغ الكمال في الدنيا والفوز بالنعيم الدائم في الآخرة.

4- وتلكَ نِعمَةٌ تَستوجبُ على الناس حَمدَ الله تعالى على ذلكَ، لأنَّ الحَمدَ يَقتَضي اتِّصافَ المَحمود بالفَضائِل، وإنعامَه بالأفْضَال، وأعظمُها نِعْمَةُ الهِدايَة بواسطة الرُّسل فَهُمُ المُبَلِّغونَ إرشادَ الله إلى الخلق". (انتهى كلام الشيخ ابن عاشور، التحرير والتنوير، الجزء 23، ص. 199)

5- قلتُ: وما زَالَ العارفونَ باللهِ، وَرَثَةُ الأنبياءِ، يُرْشدون النّاس الى تنزيه الله تعالى، وحبِّ رَسولِه، صلى الله عليه وسلم، وحَمدِ البارئ على نِعَمه، لا ينقطع المَدَد بهم حَتَّى تبقى حُجَّةُ اللهِ عَلَى الخَلْق قائمةً وبِحارُ تَنْزِيهِه جَارية وبَرَكات الثَّنَاء عليه عامةً.

ن. المدني، الزاوية المدنية، باريس. 25 جوان 2012.