نِيَةُ المُؤمِن خيرٌ مِن عَمَلِه

الاحد4 أوت 2019, بقلم المدني


بسم الله الرحمن الرحيم

الشيخ محمد المدني، رحمه الله.

نعتز بتقديم هذا الشرح العميق للحديث النبوي : “نية المؤمن خير من عمله”، بقلم سيدي الشيخ محمد المدني، رضي الله عنه.

1. الحمدُ لله رَبِّ العالمين. والصَّلاةُ والسلام على سَيّد الأولين والآخرين. وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بَعدُ، فَمِن كاتِبِه العَبدُ الضعيفُ، محمد المدني، القُصيبي المديوني، غَفَرَ اللهُ ذُنوبَهُ، وسَتَرَ عيوبَه، إلى أخينا الجَليل، وصديقِنا النبيل، الشَّيخ سيدي علي بن قاسم سويسي، الثَّري، ثَبَّتَنا الله وإياكم على دينه القويم وصِراطه المستقيم. السَّلامُ عَليكم، ورَحمة الله وبَرَكاتُه.

2. هذا، أيُّها الأخ الكريم، وقد تَشَرَّفتُ بِرسالتكم المُبَارَكة، فَتَناولتُها بِيَد الرَّغبة، وطَالَعتها بِبَصَر المَحَبَّة، فإذا هي عنوانٌ عَلى عافيتكم البدنيَّة، وسَلامَتِكم القلبية. فَحَمَدنا اللهَ لَكمْ عَلى ما أنتم عَلَيْه، وسَألناه لَنا ولَكم دوامَ هاته النعمةِ، ظاهرةً وباطنةً. إنَّه على مَا يَشاء قَديرٌ، وبِالإجابَة جَديرٌ.

3. مِن تَمام الفائدة في رسالتكم الكريمة، أنْ كانت تَحمل سؤالاً مفيدًا، وقولاً سديدًا، صورَتُه بلفظه: ’’ثمَّ إنّي أستَرشِدكم عن قوله، عليه الصلاة والسلام: “نِيةُ المَرءِ خيرٌ مِن عَمَلِهِ”: هل ما يُفهم من الحديث من معنًى هو ما يعطيه منطوقُ اللفظ جريًا مع صيغة أفعل التفضيل؟ أم هو على ضربٍ من المبالغة في الحَثِّ على إضمار النية الحسنة حتى تكون يُقال فيها إنها أحْسن من عمله؟ أم لا يُفهم الفَضلُ من اللفظ أصلاً؟ أيْ: يَكونُ الفَضل الذي يُستَفادُ من الصيغة مسلوبًا. أم كَيفَ الواقع الذي يَقصد من مَعنى الحديث؟ رجائي منكم أن تكونوا ببالٍ من سؤالي، أي: إلى الرَدِّ عَلَيْه. أجْمَلَ لَكم ربُّ العزة اللقاء، وبَشَّرَكم بخيرٍ وهَنَاءٍ".

4. هَذا سؤالُكم أيها الأخ الكريم. وما حَمَله عليكم إلاَّ حسنُ ظَنِّكم بنا. رَزَقَنا اللهُ وإيَّاكم حسنَ الظَنِّ بالله، وحسنَ الظَنِّ بعبادِ الله. وإلا فَما هذا العبدُ من أهل هذا الشَأن، ولا من فُرسَان ذَلكَ المَيدان. غيرَ أنِّي نزولاً تحتَ إرادتكم الصادقة ووقوفًا مَع ظَنِّكم الجَميل، أكتبُ لَكم ما ألهَمَنيه اللهُ من العلم وَرَزَقنيه من الفهم بإيجازٍ واختصارٍ. والناقص في عين الرضا جَميلٌ. وهو حَسبي “ونِعْمَ الوَكيل”. فإنْ رَضِيَكم ما كَتَبناه، فما هو إلا نعمةٌ من الله، وإلا فالحَديث له رجالٌ. وهُم المَرجع في هذا الأمر والمآل. وما نَحن بالنسبة إليهم إلا وِلدانٌ وأطفالٌ، مُبَيِّنًا، قبلَ المقصود، روايةَ هَذا الحديث فنقول:

رِوايَة الحَديث :

5. إنَّ هَذا الحديث المسؤولَ عنه: “نِيَةُ المُؤمِن خيرٌ مِن عَمَلِه”. رَواهُ البَيهَقي، في “شُعَب الإيمان”، حَسَبَما نقله الإمام السيوطي، في كتابه “الجامع الصغير”. وَوَضَعَ بَعد نقله حرف ’’ض’’، الذي هو علامةٌ، عِندَه، على الحَديث الضعيف. ونَقَلَه حُجَّةُ الإسلام، الغَزالي في كتابه: “إحياء علوم الدين”، وقال فيه زين الدين العراقي في كتابه: “المُغني عن الأسفار، في تخريج ما في كتاب الإحياء من الأخبار”، ما نَصُّه: ’’حَديثُ “نِية المُؤمن خيرٌ من عَمَله”، رَواهُ الطَّبَراني، من حديث سهلٍ بن سعدٍ، ومن حَديث النواس بن سمعان وكلاهما ضعيف. اهـ.’’ ونَقله العلامة المناوي في كتابه: “كُنوز الحقائق في حَديث خَير الخلائق”، غيرَ أنَّه لم يَضَع بعدَ نَقل الحديث شيئا مع أنه مُوافقٌ للسيوطي في اصطِلاحِه.

6. فالحَديثُ، على كلِّ حالٍ، ليسَ مَوضوعًا كما زَعَمَه بعضهم. نص على ذلك العلامة الشبرخيتي، في “شَرحه على الأربعين النووية”، عندَ الكلام على حديث: “إنَّما الأعمالُ بِالنيات”. ويكفي دليلاً على عَدم وَضعه أنَّ السيوطي والعراقي لم يَنُصَّا إلا على ضَعْفه. ولا تخفى مَكانة السيوطي والعراقيِّ في الحَديث. وبسبب كون هذا الحديث ضعيفًا، لَم يَرْوِه الشَّيْخان في صَحيحَيْهِما.

7. ثم أقول: إنّي رأيتُكُم كَتَبْتم هذا الحديثَ في سؤالكم بلفظ “نِيَةُ المُؤمِن خيرٌ مِن عَمَلِه”، بإبدال لَفظ “المؤمن” بلفظ “المَرْء”. فلم أدْر هَل اطلعتم على رواية في الحديث بهذا اللفظ أم أرَدتُم نقلَ الحديث بالمعنى؟ فإني ما اطلعت إلا على إثبات لفظ المؤمن.

8. ورَأيت العَلامةَ الشَّبرَخيتي نَقَلَ روايةً أخرى في الحَديث ونَصُّها: “نِيَة المُؤمن أبْلَغُ مِن عَمَله”، ونَقَلَ روايةً أخرى بزيادة: “وإنَّ اللهَ لَيُعْطي العَبدَ عَلَى نِيتِه مَا لا يُعطيه عَلَى عَمَله”. غَيرَ أنَّ العَلاَّمَةَ السُّيوطي، بَعدَ أن نَقل الحديثَ بالرواية المتقدمة، نَقَلَ روايةً أخرى مُفَصَّلةً أكثرَ من الأولى. وهذا نَصُّها، كما في “الجَامِع الصغير”: “نِيَةُ المُؤمن خيرٌ من عَمَله، وعَمَل المُنافِق خيرٌ من نِيته، وكلٌّ يَعمَل على نِيته، فَإذا عَمَلَ المؤمنُ عَمَلاً ثارَ في قَلْبِه نورٌ”. هذه رِوايات الحديث التي اطَّلَعتُ عَلَيها، واللهُ وليُّ التوفيق. ولْنَرجع الآنَ للكلام على معناه فنقول:

9. هَلِ المُرادُ بِالحَديث الخبرُ أو الإنشاء؟

10. إنّ هذا الحديثَ “نِيَةُ المُؤمِن خيرٌ مِن عَمَلِه”، لفظُه لَفظُ خَبَرٍ، وليسَ فيه من صيغ الإنشاء شيءٌ. غيرَ أنَّه رُبَّما يَسأل سائلٌ فَيَقول: هل المراد بالحديث المَعنَى الخَبَري حَسبما يقتضيه لفظهُ، فَيَكون إخبارًا من النبيء صلى الله عليه وسلم أنَّ “نيةَ المُؤمن أفضلَ من عَمَلهِ”، ويَكون اللفظُ مُستعملاً في حَقيقته؟ أم المراد به معنًى إنشائيٌّ، تَقديره: اجْعَلوا نِيَتَكم خيرًا من عَمَلِكُم. فيكون اللفظُ مُستعملاً في مَجَازه؟ بمعنى أنَّ الشارعَ كَلَّفنا أنْ نَجعلَ نيتَنَا خيرًا من عَمَلِنا؟ هذا السؤالُ يَحتمل أنْ يُوَجِّهَه سائلٌ.

11. الجَواب: إنَّ هذا الحَدَيثَ معناه الخبرُ، ولَيسَ مقصودًا به الإنشاء أصلاً.

• أولا: لأنَّ لَفظَه خَبَرٌ، واستعمالُهُ في حَقيقَته أوْلى من استعماله في مَجَازه، إلا لقرينةٍ تَمنَع إرادَةَ المَعنى الحقيقي.
• وثانيًا: إنَّ جَميعَ العُلَماء، الذين شَرحوا هذا الحديث كالغَزالي، لم يَشرحوا إلا مَعناهُ الخَبَري، حَسَبما يَأتي. “ومَا أصَحَّ عِلمَ مَن تَقَدَّمَ. وكلُّ خَيرٍ في اتِّباعِ مَنْ سَلَفَ
”.

• وثالثًا: إنَّ حَمله عَلى الإنْشاء يَقتضي أنَّ الشَّارعَ كَلَّفنا أنْ نَجعلَ نِيَتَنا أفْضَل مِن عَمَلِنا.

12. وهذَا، رَأيتُ مَن قَال به. نَعَم، كَلَّفنا الشَّارعُ أنْ نُحسنَ النيَةَ حتَّى نكونَ مُخلصينَ، مُمتَثِلينَ لقوله تعالى: “فَاعْبُدوا اللهَ مُخلصينَ له الدّينَ”. وَأمَرَنَا أنْ نُحسنَ العَمَلَ، فَنَحضرَ فيه مع الله عزَّ وجل، فنكونَ من المُحسِنينَ ممتثلين قوله صلى الله عليه وسلم “الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللهَ كأنَّكَ تَرَاهُ، فَإن لَم تَكن تَرَاهُ فَإنَّه يَرَاكَ”.

13. وإذا تَبَيَّن أنَّ الحَديثَ نَصٌّ في مَعناه الخَبَري، لَزم أنْ نَشرَعَ في شَرحه على سبيل الإجمال، وإنْ شَرَحَهُ سَادَتنا الأقْدَمونَ، بما لا مَزيدَ عَليه. وفي “إحياء علوم الدين” للغَزالي ما يَكفي ويَشفي، غير أني أعتقد سِرَّ الله في التعبير، وقد يُهتَدى بالصَّغير كما يُهتَدى بالكبير لذلك نقول:

مَعنى الحَديث:

14. النِية: لها مَعنَيَان: معنًى في اللغة، ومَعنًى في الاصطلاح الشَّرعيّ. أما معناها لغةً، فهي القَصدُ وتُرادِفها الإرادة. فَالنية والقَصدُ والإرادَة ألفاظٌ مَوضوعَةٌ لمعنًى واحدٍ. وأما مَعناها شرعًا، فَهي الإرادة نَحو الفعل ابتغاءَ مَرضات الله وامتثال حُكْمِه.

15. هذا وقَد تَعظم النيةُ وتَكملُ فَتَنْتَهي في الإخلاص لله، عَزَّ وجَلَّ، فَتكون هي روحُ العَمَل، والعَمَلُ جَسَدُها. وقد أمرنا الله تعالى بالإخلاص فقال: “فَاعْبُدوا اللهَ مُخلصينَ له الدِّينَ”.

16. ثم نَقول: نَقَل العلامة الشبرخيتي سبَبَيْن لوُرود هذا الحديث. غيرَ أنَّه نَقَلهما بصيغة التضعيف التي هي: “قيل” و“يقال”.

17. السَّبَب الأول: قد قيل إنَّ النبيء، صلى الله عليه وسلم، وَعَدَ بثوابٍ على حَفر بئرٍ. فَنَوى عثمانُ حَفْرَها، فَسَبَق إليها كافرٌ فَحَفَرَها. فقال صلى الله عليه وسلم : “نِيةُ المؤمن، يعني: عثمانَ، خيرٌ مِن عَمَله، يعني: الكافر،”. وهذا السَّبَب بعينه ذَكَرَهُ العَلامة الفشني، كما ذكره العلامة الشَّبرخيتي، أعني بصيغة التضعيف.

18. السَّبب الثاني: أنَّ رَجلاً من الصحابة نَوى بناءَ قَنْطَرَةٍ في موضع مهمٍّ، فَسَبِقَه يهوديٌّ، لِبنائها فَأخبِرَ، بذلكَ بحضرة جماعةٍ منهم عمر، فَتَأسَّف ذلك الرجل، وانْفَعَل. فَقال عمر تسليةً له: “نِيةُ المؤمن خيرٌ من عَمله”، أي: مِن عَمَل ذلك اليهودي. ثم قال الشبرخيتي: “لكن يَخدشه ما ذكر أبو زرعة في”البُستان" من أنَّ هَذا القَولَ صادرٌ عَن صَدْر النبوءة صلى الله عليه وسلم.

19. قلت: يُحتَمَل أنَّ سَبَبَ وُرودِ الحَديث عن صَدْر الشريعة، ما ذُكر في السَّبَب الأول، ثمَّ استدلَّ به عُمَرُ في الواقعة الثانية، والله أعلم. وعَلى ما ذُكِرَ من السبب، يَكونُ الضَّميرُ في قوله: “عَمَلِه” عائدٌ عَلى الكَافر، المَفهوم من سياق الواقعة، لا عَلى المُؤْمِن المَذكور في الحديث.

20. وعلى هذا التَقدير، يَكونُ مَعنى الحديث : نِيةُ المُؤمن الصَّالحة خيرٌ من عَمَل الكَافر الصَّالح، لأنَّ المؤمنَ، إذا هَمَّ بِحَسَنةٍ ولَم يَعملها كُتِبَت له حسنةٌ، فَيُجازيه اللهُ عَلَيْها في دار البَقاء جزاءً لا يَفْنى، ولا يَبيد. وقَد يَزيده اللهُ على ذلكَ أجرًا في الدنيا حَسبما يقتضيه الفَيضُ الإلهي، “ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ” (الشورى: 20). والمُعتَبَر إنَّما هو الجزاء الأخرَويُّ.

21. وأمّا الكافرُ فَغايَة عمله الصالح أن يُجازى عليه في دار الفناء، ولا جَزاءَ له في الآخرة، إلا النَّار، ثمَّ مَأواه جهنمَ وبئسَ المِهاد. وقد سأل عَباس عمرَ بن الخطاب، رضي الله عنهما، عَن رَجلٍ لَم يَترك من الخير شيئًا إلا عمله، لكنَّه كافرٌ، فَقال: هو في النار"، فنيةُ المؤمن حينئذ خيرٌ من عَمَل الكافر.

22. وأما إذا رَجعنا الضمير في قوله: ’’عَمَله’’، إلى المُؤمن حَسبما تَقتَضيه بقية الروايات، وحَسَبما يَقتضيه كلامُ جُمهور شُرَّاح هَذا الحديث، كما يُستَفَادُ ذلكَ من اختلافهم في معناه، فإنَّهم وإن اختَلَفوا في توجيه مَعنى الحديث، لكنَّهم اتَفَقوا على رجوع الضمير في قوله: ’’عَمله’’ إلى المؤمن، فَعَلَيْه يَكون مَعنى الحديث: “نية المؤمن بلا عمل خيرٌ مِن عَمَله بلا نية”. فَعلى هذا التقدير، إنَّ المُؤمنَ إذا نَوَى عملاً، ولَم يَعمله وعَمل عملاً ولم يَنْوه، كانت نيتُهُ هاته أفضلَ من عَمَلِه هذا.

23. غَيرَ أنَّه رُبما يقول القائل: إنَّ النِّيَة الحَسَنَة التي وَرَدَت السنَّة بالإثابة عليها، على عمل خالٍ من النية، لا يُفهم له معنًى، فما هو إلا من باب قولهم: ’’السيْفُ خيرٌ من العَصا’’، كما أنَّ هذا العمل الخالي من النية ربما لا يتصور في الخارج إلا في شبه النوم والسهو. ومَعلومٌ أنَّه لا عَمَلَ إلا بِنِيةٍ، وإلا فهو عديم الفائدة. ولذلك قال الشبرخيتي، بعد أن ذكر هذا المعنى: وهذا على معنى الاتساع لأنَّ كلَّ عملٍ بلا نية لا خيرَ فيه أصلاً“. وكذلك قال الغزالي في”إحياء علوم الدين".

24. قلتُ: يُمكن تَفضيلُ النيّةِ على العَمَل نظرًا إلى صورتِه الظاهرة. فَما هو في الظاهر إلا عملٌ صالحٌ، وإنْ لَم يكن ذلك العمل صحيحًا ولا مُثابًا عليه. هذا مَعنى الحديث على سبيل الإجمال.

25. وأما حَملُه على ضَربٍ من المبالغة في إضمار النية الحَسنة، فَما رأيتُ مَنْ نَصَّ عَليه من الـمُتَقدمين، فيما اطلعتُ عليه. “وما نحنُ إلاَّ مِن أسْرَارِهم في مِثل هاته الـمَعاني”.

26. وكذلك كونُ أفعلَ التفضيل، في الحديث، مَسلوبُ الـمُفاضلة، مَا رأيتُ مَن نَصَّ عليه. اللهمَّ إلا إذا كان المعنى: نيةُ المؤمن خيرٌ مُعتبرٌ من عمله. فيكون العمل ظاهرًا وقلبيًا. وكله خيرٌ. ومن جملة الأعمال القلبية النية الحسنة. وهذا كله تأويلٌ بارِدٌ ، وخروجٌ عَن مُقتضى الظاهر. ولا مِن داعٍ يَدعو لارتكابه.

27. وما معنى الحديث إلا ما يُعطيه مَنطوقُ اللفظ، لأنَّ الألفاظَ أواني الـمَعاني، فَلا مَحيدَ عَن ظاهرها إلا بقرينةٍ.

- وجوه تفضيل النية على العَمَل:

28. ذَكَرَ العُلماء وجوهًا كثيرةً لتفضيل النية الصالحة على العمل الصالح. منها ما قالَه حُجَّة الإسلام، الغزالي، في الإحياء، جَزَمَ به حتى قال: "إنه هو المراد. قال: فَمَعناه: نية المؤمن من جملة طاعته خيرٌ من عمله الذي هو من جملة طاعته. والغرض أنَّ للعبد اختيارًا في النية وفي العمل، فهما عَمَلان، والنية من الجُملة خَيرهما، فهذا معناه. اه بلفظه. (إحياء علوم الدين: 4، 370).

29. ومنها كانت النية أبلغ من العمل، لأنها هي قُطْبُ العَمَل ومَداره عليها، إذ بها يُرفَع العملُ أو يوضع، على قدر ما هي عليه من صحة واعتلالٍ. ومنها كانت النية الصالحة خير من العمل، لأنَّها تَحتمل التعدد والتكثر في العمل الواحد. وذلك كما إذا جلسَ العَبد في المسجد بنية الاعتكاف وانتظار الصلاة والذِّكْر وقراءة القرآن والخُلوة عن شواغل القلب ونية حفظ السمع والبَصَر واللسان وعمارة المسجد وزيارة الله لأنَّ مَن قَعَدَ في المسجد قَد زارَ الله، وأن يَستَفيد أخًا في الله، فإنَّ ذلك غنيمة وذخيرةٌ في الآخرة، وأن ينوي استفادَة جميع ما قاله الحَسَن بن علي رضي الله عنهما: من أدمن الاختلاف (أي: زيارة) إلى المسجد رَزَقَه الله إحدى سبع خصال: أخًا مستفادا في الله، أو رحمة مستنزلة أو علما مستطرفًا، أو كلمةً تدل على هدًى، أو تَصرفه عن ردًى، أو يترك الذنوب خشية أو حَياء. اه. من الغزالي. (إحياء علوم الدين: 4، 371).

30. وهَكذا، فالنية تَعَدَّدت، والعمل، وهو الجلوس في المسجد، واحدٌ. فهاته النية ثوابها كثيرٌ. وما تضاعف أجر الجلوس وتكاثَرَ إلا بها، فلذلك كانت خيرَ الأعمال. ومنها كانت النية خيرًا من العمل، لأنَّ الإنسانَ يُمكنه أن ينويَ ويثيبه الله على نيته وإن لم يَقدر على العمل. كَما إذا نوى أن يعتق عبدًا وهو لا يملكه أو نوى أن يتصدق بمال كثير وهو لا يملك شيئًا. كل هاته الوجوه ذَكرها ساداتُنَا العلماء، رَضيَ الله عنهم، وذَكروا أكثر من ذلك. والاختصارُ ألزَمنا أن نقتصر على ذلك.

31. قلتُ: ويَحتمل أن تكون النية خيرًا من العمل لأنها تُؤثِّر فيه بخلاف العكس. ويُساعد على ذلك رواية: “نية المؤمن أبلغ من عمله”، فإنَّ“أبلغ” يُشَمُّ منه قوة النية على العمل وتأثيرها فيه. وقد قالوا، رَضيَ الله عنهم: إن الأعمال بحسن النية تصير قربة وطاعة لله حتَّى قال الغزالي: “ما من شيء من المباحات إلا ويَعتمد نيةً أو نياتٍ يصير بها قربةً من القربات، ويُنالُ بها معالي الدرجات”. (إحياء علوم الدين: 4، 371).

32. وقال الغزالي: “فَمن كان قصده في الأكل التَّقَوِّي على العبادة، ومن الوِقَاع تَحصين دينه، وتطييب أهله، والتوصُّل به إلى ولدٍ صالحٍ يُعبَد الله، بِعَده، فتكثر به أمة محمدٍ، صلى الله عليه وسلم، كان مطيعًا بأكله ونكاحه”. اه. وقِس على هذيْن غَيرَهما من المباحات فإنها لا تنحصر. فَما عليك إلا أن تحسن نيتك في كل مباحٍ، فَيَصير قربةً لله عز وجلَّ، فَتَكون لك في حسناتك، ولهذا قال بعض العارفين من السلف: “إني لأستحبُّ أن يكون لي في كل شيء نية حتى في أكلي وشربي ودخولي إلى الخَلاء”، نَقَله الغزالي (إحياء علوم الدين: 4، 371).

33. وهنا نقول: يَجملُ بالعاقل أن يَنتبهَ من نَومَة الغفلة، ولا يحتقرْ عَمَلاً وإن دَقَّ ورَقَّ، فَإنَّه مُحاسَبٌ على النقير والفتيل، إذ الدنيا حَلالُها حِسابٌ، “ومَن نُوقشَ الحِسَابَ عُذِّبَ”. فَإنْ استعملَ نِيتَه، التي هي إكسير العمل، انْقَلَبَ عمله قربةً، فَيُجازيه الله عليه جزاءً مَوفورًا، ويُحاسَبُ حسابًا يسيرًا، وينقلبُ إلى أهله مسرورًا.




أرسل رسالة

Facebook
Madaniyya Page Facebook

Visiteurs connectés : 10

الطريقة المدنية | للاتصال | محتوى الموقع | Youtube
TUNISIA: Tunis: +216 22 55 74 30 | FRANCE : Paris: +33 6 77 83 52 99 | Lyon: +33 6 95 42 30 93 | Grenoble: +33 6 63 12 78 30 | Le Havre +33 6 13 95 21 24 | UK: London: +44 7533 741 559 | US: New York: (1-646)799-3463