آداب وسلوك
هنا الطريق : الصفحة الاساسية » شعائر التصوف » يا طالبَ الوِصال...

يا طالبَ الوِصال...

D 11 ماي 2012     H 17:58     A المدني    


agrandir

ومِن سُنن الطريقة المَدَنيّة المُباركة أنَّها تَخْتم مَجالس الاذكار والأنْوارِ بتَرديد هذا البيتِ ثلاثًا، عَلامَةً على انتهاء الاجتماع والتهيؤ للاستماع إلى المذاكرة الختامية :

يا طالبَ الوصالِ من سَيِّدِ العُلى *** إنَّ الوصالَ غالٍ وما غلَى حَلَى

وهو مما يُنْسَبُ إلى سيدي أبي الحسن علي بن عبد الله النميري الششتري الأندلسي أو إلى سيدي شعيب أبي مدينَ الغوث وكلاهما من أرباب الأحوال العالية. وفي اختياره سرٌّ لطيفٌ ذلك أنَّ هَذَا البيتَ خطابٌ لِطالب الوِصال أي الوُصول والقُرب والتأنَّس بجمال الحَقِّ، جلَّ جلالُهُ. فهو تذكيرٌ للفقراء بما يجبُ عليهم لله بعدَ أن مَنَّ عليهم بنعمة الذكر والاجتماع.

ولقد وَرَدَت تسميةُ الله هنا بِسَيِّد العُلَى في تركيب بالإضافَة. وهذا الإسم دالٌّ على مُطلق السُّؤدَدِ والعزَّةِ والربوبيّة. وتسمية الله بالسيد واردةٌ في الحديث الشريف: “السَّيِّدُ اللهُ تباركَ وتعالى”. ولا يستحق أحدٌ أن يوصف بالسيادة المطلقة إلا الله – عزَّ وجلَّ – فالله تعالى هو السيد الكامل السؤدد. وأما غَيره فَيوصَف بسيادة إضافية مثل “سيد وَلَد آدمَ”، صلى الله عليه وسلم.

وقد أضيف اسمُ السيد إلى العُلَى وهو منَ المعاني المُشْتَقَّة من اسم الله العَليّ الوارد في آية الكرسيّ “وهوَ العليُّ العظيم”. وسَيدُ العُلَى هو الحقّ تبارك وتعالَى لِمُطلَق سُؤدَده وعظيم رِفعتِه، في تنزهّه عن مُشَابَهة المخلوقات وتقدسه عن مُضاهَاتها.

وبعد ذلك يأتي نَصّ الخِطاب وهو تذكيرٌ لطيف مُذَيَّلٌ بحكمة مَفادها أنَّ القربَ والوَصلَ هو أغلى وأعلى ما تصبو إليه الأنفس الزكيّة وأفضل ما تسمو إليه الهِمَمُ كما قال الشاعرُ:

مَن فَاته منكَ وَصلٌ حَظُّه النَّدَم *** ومَن تَكن هَمَّه تَسمو به الهِمَمُ.

وَيَنْتَهي البيت بالقول إنَّ كلَّ ما هو غالٍ في عالم الأرواح ونفيس فيها فهو جَديرٌ بأن تبذلَ فيه نفائس الأرواح والأموال. وفي هذا الكلام اللطيف دعوة إلَى المجاهدة لتطلُّب المَعالي وحثٌّ على السير إلى الله لأنه أكمل مَن سمت إليه الهممُ وأعظمُ مَا يُعاشُ لأجله. ونتيجة ذلك السعي إنما هي حلاوة الإيمان مِصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: “ ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسولُهُ أَحَبَّ إليه مما سِوَاهما، ويُحِبَّ المرء لا يُحِبُّهُ إلا لله، وأن يَكْرَهَ أن يعود في الكفر، بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يُقْذَفَ في النار”.

يا طالب الوصال

يا طالب الوصال
يا طالب الوصال