لنُريَه من آياتِنا

الجمعة 7 جوان 2013, بقلم المدني


يقولُ العَلاّمَة المُنَعَّم، الشيخ الطّاهِر بن عاشور، رَحِمَه الله، في تَفسير التّحرير والتّنوير (الجزء 15، ص. 02-23، طبعة دار سحنون)

“وقولُه:”لِنُريَه من آياتِنَا" تَعليلُ الإسْرَاءِ بإرَادَةِ إرَاءَةِ الآياتِ الرَبَّانِيَّةِ، تَعليلٌ بِبَعْض الحِكَمِ التي لِأجْلِهَا مَنَحَ اللهُ نَبيئَهُ مِنْحَةَ الإسْرَاء، فإنَّ للإسراءِ حِكَمًا جَمَّةً تَتَّضِح مِن حَديث الإسْرَاءِ المَرْويِّ في «الصَّحيح». وأهمُّهَا وأجْمَعُها إراءَتُه مِن آياتِ الله تَعالَى ودَلائلِ قُدرتِه ورَحمَتِه، أيْ لِنُريَهُ مِن الآيات فَيُخْبِرَهُم بما سَألوهُ عَن وَصْفِ المَسْجِدِ الأقْصَى.

ولامُ التَّعليل لا تُفيدُ حَصْرَ الغَرَضِ من مُتَعَلَّقها في مَدخولها. وإنَّما اقتُصرَ في التعليل على إراءَةِ الآيات لأنَّ تِلكَ العلَّةِ أعْلقُ بتكريم المُسرَى به والعِنَايَة بِشَأنِهِ، لأنَّ إراءَةَ الآيات تَزيد يقينَ الرَّائِي بِوجُودِهَا الحَاصل مِن قَبْل الرُّؤْيَة.

وقد بادَرَ (اللهُ تَعالى) مُحَمَّداً بإراءَةِ الآياتِ قبلَ أنْ يَسأَلَه إيَّاهَا تَوفيرًا في الفَضْل.

واعلَمْ أنَّ تقويةَ يَقين الأنبياء من الحِكَمِ الإلهيّة، لأنّهُم بِمقدارِ قوَّةِ اليَقين يَزيدون ارتقاءً على دَرَجَة مُستوى البَشَرِ، والتحاقًا بِعلُوم عالَمِ الحَقائِق، ومُساواةً في هذا المِضْمار لمَراتِب المَلائِكَة. (انتهى كلام الشيخ ابن عاشور...)

قلتُ:

وكانَتْ رُؤيةُ الآياتِ الكُبرى فَرْحةَ وصالٍ وتَلاقٍ بعد طولُ فِراقٍ، وما كانت استكتشافًا لسرٍّ كانَ في الغَيْب مَستورًا، إذْ قد سَجد النّورُ المحمديُّ – في مقام الهَيبَة- ولم تكن الأكوانُ شَيئًا مَذكورًا. فَهي زَوْرَةٌ أهداها له الحقُّ بَيْنَ زَمنَيْن، وإطلالَةٌ عَلَيْه بَينَ حُضورَيْن: أوَّلِهمَا في عالَم الأزَل، حينَ كانَ النُّور لَدى الله ساجِدًا، وفي الأبَد بعد أن يصيرَ به خالِدًا. فإراءَة الآيات - ليلةَ الإسراء- وَصْلٌ ربَّانيٌّ يُعينُ على وَعْثاء السَّفر ومُرتَفَقٌ له به - على أمدِ الحَياة- مُصْطَبَر.

وأكبرُ الآيات على التحقيق رُؤْيَتُهُ جلالَ وَجْهِ رَبِّهِ الرَّفيق، الذي انكشفَت سُبُحاتُه، فغَشِيتِ الفؤادَ الشريفَ كمالاتُهُ.

ومِن بَركة تلكَ الإراءَة أنْ عاد الرسول صلى الله عليه وسلم بَعدهَا للأرض للخير مُعَمِّمًا، ولو شاءَ لأقامَ عندَ مولاهُ مُكَرَّمًا،

لكن ما زاغَ بَصرُه الشريف عن أمَّتِه فَرجَعَ إليهم بهديَّةِ الصَّلاة... صِلةً وتِذكارًا لمُشاهدة الآياتِ الكُبرى.

ن. المدني.

باريس 6 جوان 2013




أرسل رسالة

Facebook