آداب وسلوك
هنا الطريق : الصفحة الاساسية » الشيخ حياته وآثاره » مؤلفات الشيخ سيّدي محمد المدني » المذاكرات » لَطَائِفُ الصِّلاَتِ فِي أَنْوَار الصَّلاَةِ

لَطَائِفُ الصِّلاَتِ فِي أَنْوَار الصَّلاَةِ

D 9 جانفي 2011     H 04:56     A المدني    


agrandir
بسم الله الرحمن الرحيم

1- حَمدًا لِمَن تَجَلَّى للشُّهودِ، وظَهَرَ لِعِبَادِهِ بمَا هُو موجودٌ، وصَلاَةً وسلامًا عَلَى ذي الحَوْضِ المَورُودِ، عَينِ الرَّحْمَةِ وأَصْلِهَا، وقَبْضَةِ الأَنْوارِ وفَصْلِهَا، سَيِّدنَا مُحَمَّدٍ وآله، وكلِّ مَن نَحَا نَحْوَهُ، وسَارَ عَلَى مِنوالِه،

2- أمَّا بَعْدُ، فَقَد سَألَنِي بعضُ الأصدِقَاء عَن قَولهِ تَعَالَى في كتابِهِ المُطَهَّرِ: “إنَّ الـــصَّـــلاَةَ تَــنْهَـــى عَنِ الــفَـــحْـشَاءِ وَالمُــنْكَــرِ ولَــذِكْــرُ اللهِ أَكْــبَــرُ [1]”.

3- قلتُ وباللهِ تَكَلَّمتُ: إنَّ الآيةَ تَحملُ عدَّةَ مَعَانٍ، والأَلفَاظُ تَحمِلُ كَمَا تَحمِل الأَوانِي. وأوَّلُ وجْهٍ يَظْهَرُ مِنَ الكَلام ويُفهَمُ للخاصِّ والعَامِّ، يُخاطَب به خالي القَلب من الأحوال، مُتَجَرِّدَ الجوارح من الأعمال، مُعرضٍ عَن الطاعات، مُنغَمِسٍ في أودية الشهوات، فَيَتَنَبَّه بهاته الآية ويؤمر ويقال له: “إنّ الصَّلاةَ تَنهى عَن الفَحشَاءِ والمُنْكَر” الخ... أيْ بِهَا وَتَحِلُّ بِحلِّيَتِهَا فَإنَّهَا تَنهى عَنِ المُخَالَفَاتِ، وتُبَاعِدُ عَنِ المُنْكَرَاتِ.

4- قَولُهُ: “ولَذِكرُ الله أكبَرُ” يَكونُ تقديرُه وَلَذِكرُ الله مَعَهَا أَكْبَرُ فِي النَّهي وَالمَعْنَى: إنَّ الصَلاةَ وَحدَهَا تَنْهَى عَن الفَحشَاءِ والمُنْكَر، وإذا أضيفَ لَهَا ذِكرُ اللهِ كَانَت أَكبرَ في النَّهيِ، لأنَّ الذكرَ مِنَ النَّوافِل.

5- ومعلومٌ أنَّ مَن قَامَ بالفَرَائِضِ تَبَاعَدَ في الغَالِبِ عَن المُخَالَفَات، ومَن زَاد مَعَهَا النوافلَ، ازْدَادَ تَبَاعُدُهُ عَنهَا وَنُفُورُهُ منهَا. وَفَائدَة الذكرِ تَنقيَةُ القَلْبِ مِنَ الأدْنَاسِ وَتَصفِيَتُه مِنَ الأَرجَاس، فَفي الخَبَرِ: “كلُّ شَيء له مِصقلة وَمِصقَلَةُ القَلبِ ذكرُ الله [2]”. ووَرَدَ أيضًا :“إنَّ القلوبَ لَتَصْدَأ كَمَا يَصدأ الحديد قيل وما جلاؤها، قَالَ ذِكْرُ اللهِ [3]” أَو كَمَا قَالَ، صَلَّى اللهُ عَلَيه وسلَّمَ.

6- الوَجْهُ الثَّاني: مَعنَاهُ أَرَقُّ وإدْرَاكُه أدقُّ، يُخَاطَبُ به السَّامِعُ تَحريضًا لَه عَلَى التَذَكُّرِ، وتَرغيبًا فِي التَفَكُّرِ، فَيقالُ لَه: إنَّ الصَّلاةَ مِنْ حَيثُ هيَ تَنهَى عَن الفَحشَاءِ والمُنكَرِ، ولَذكرُ اللهِ فيهَا بمعنَى حُضُورِ المُصَلَّي مَعَ الله فيها أكبَرُ فِي النَّهي. وَبعبَارَةٍ أخْرَى إنَّ الصَّلاةَ إذا كَانَت معَ خُضُوعٍ وَحضُورِ قَلْبٍ وَخشوعٍ أَكبرُ نَهيًا منهَا مُجَرَّدَةً من ذلكَ وَعَاريَةً عَمَّا هَنالكَ، إذِ الصَّلاَةُ مَعَ المُرَاقَبَة أَفضَلُ منهَا بِدُونهَا.

7- وإحْسَانُ العِبَادة مَرغوبٌ، والحُضُورُ مَعَ اللهِ فيهَا مَطلوبٌ، وَذَلكَ بُغْيَةُ العَابِدينَ ومُنْيَةُ المُتَّقِينَ، قَالَ صَلَّى الله علَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ [4]”. فَمَنْزِلَةُ الإحْسَانِ مِنَ العِبَادَة مَنزلَةُ إنْسَانِ العَيْنِ مِنَ الألْحَاظِ، أَو نَقُولُ مَنْزِلَةَ المَعَاني من الألْفَاظِ.

8- والصَّلاَةُ صورَةٌ قَائمَةٌ، مُكَوَّنَةٌ مِن أَعْمَالٍ وَأَقوَالٍ تَنهَى فَاعِلَهَا عَن المُخالَفَة لأنَّهَا طَاعَةٌ أحَد شِقَّيْ الإنسان الذي هو الظاهرُ، وذِكرُ الله فيها ومُرَاقَبَتُه حتَّى كَأَنَّكَ تَرَاهُ، رُوح تلكَ الصُّورَة أَكْبَرُ نَهيًا لأنَّهَا زَادَت بخضوع الباطنِ، والانْقِيَادُ بالكلّ أعْظَمُ مِنَ الانقيَادِ بالبَعض، وبِقدرَة الامتثال يكون الاجتنابُ والإعراضُ، فَمَن استعمَلَ ظَاهرَه في الطَّاعَاتِ فَقَد جنَّبَهُ عَن المُخَالَفَات، ونَهَاهُ عَن المُنكَرَاتِ، ومَن صَفَّى قَلبَه ونَقَّى لُبَّهُ، وَأطَاعَ بجميع الجَوَارح فَقَد تَجَرَّدَ عَنِ القَبَائِحِ، وتَزَيَّنَ بالمَصَالِح.

9- فَتَحْصُلُ مِن هَذَا أنَّ الصَّلاَةَ كَيفمَا كَانَت تَنهَى عَن الفَحشَاءِ وَالمُنْكَر، ولَو لَم تَكُنْ مُشْتَمِلةً عَلَى التَّفَكُّرِ، ومُحتَويةً على التذكُّر، وأَكْبَر نَهيًا إذا كَانَت مَعَ الإحسانِ وحُضُورِ القَلْبِ والجَنَان، مُنَاجِيًا صاحبُهَا ربَّ العَرْشِ والأَكْوَان، فإنَّهَا مَحَلُّ المُنَاجَاة ومَعدَنُ المُصَافَاةِ.

10- الوَجْهُ الثَّالثُ: يُخَاطب به المريد الوصال من حَضرَة الكَمَال فَيقالُ له: إنَّ الصَّلاَةَ التي هي الوَصْلَةُ بَينَ العَبد وَرَبِّه، تَنهَى عَن الفَحْشَاءِ والمُنْكَر، وكلُّ مَا سِوى الله حِينئذٍ مُنْكَرٌ، وكلُّ ما خَلاه باطلٌ، وفي جَميع الأزمنة مُنتَفًى وَزَائِلٌ، فَهاتِه صَلاَةُ الاتِّصَالِ وهيَ مَقصد الكُمَّلِ من الرِّجَال، فإذَا وَصَلَ المريدُ لِحضْرَةِ المَلكِ المَجيد انتَهَى عَن غَيرِ اللهِ، حَيثُ مُحِيَ مِن نَظَرِه كلُّ مَا سِواهُ، فالأعيانُ مَفقودَةٌ ومنَ نظرهِ مَعدومَةٌ غَيرُ مَوجودَة، وكيف توجَدُ والحالُ أنَّه لَم يبقَ بَينه وبين الله حجابٌ، فَوجودُ مَا سوَى اللهِ مُحَالٌ، لأنَّهُ يُؤدي إلى وجودِ الحِجَاب، وهوَ يُؤَدِّي إلَى تَحيُّزِ الوجود الحقيقيِّ، وهو مُحالٌ، فَمَا أدَّى إلَيهِ مِن وجودهما سواه مُحالٌ ومَحضُ خَيَالٍ.

فالكــــلُّ دونَ اللهِ إنْ حَقَّقْتَـــهُ *** عَدَمٌ عَلَى التَفصيل والإجْمَالِ

والعَارفُونَ بِرَبِّهم لَم يَشهَدُوا *** شَيئًا سِوَى المُتَكَـبِّرِ المُتَعَــالِ [5]

11- ويعُبَّرُ عَن هَاتِه الصَّلاَة بصلاة الأرواح والصلاة الدائمة أيضا لأنَّ المصلي فيها متصل السجود دائم الشهود، لاَ يَخرج بالسلام، مستغرق في الوجود ومشاهدة حضرة الملك العلام قال بعضهم:

منذُ سَجَدُوا مَــا رَفَعُـــوا *** وَمُـــنْذُ وَصَلُـوا ما رَجَـعــــوا

12- وقَولُه: “وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ” جَزَاءُ تِلكَ الصَّلاَةِ، وَأَخبَرَ عَنهُ بِأَنَّهُ أَعْظَمُ منهَا أيْ بالنِّسبَة لذلَكَ المُصَلِّي، وَهوَ مِن إضَافَةِ المَصدَر لِفَاعِلِه، فَيَصيرَ التقديرُ: وَلئنْ يَذكرُ اللهَ هَذَا المُصَلِّي، المَفهومُ منَ السِّيَاق أَكْبَرُ وأعظَمُ، وَيُنَاسِبُ هَاتِهِ الصَّلاةَ تَفسير الذِّكرِ هنا بتَجَلِّيهِ وإسبالِه عَلَيه حُلَّةَ تَوَلِّيهِ، فَيَكونَ وجودُهُ بالله، وَكَلاَمُه وبَصَره بِمن أَسبَلَ عَلَيه حلَّةَ بهَاه، فَيَقولُ كَمَن قَالَ:“ وَأَمْري بِأَمْرِ اللهِ، إنْ قلتَ كُنْ يَكُنِ [6]”.

13- ولَمَّا تَجَلَّى الحَقُّ عَلَى القُطب الأَغَرّ، والغَوثِ المُشتهر شَيخِنَا سيِّدي أحمَد العَلاَويِّ [7] ، رَضيَ اللهُ عنه، قَالَ بلسان التلويح أو نقول بِلِسَانِ التَحقيق والتَّصريح:

أنا عَينٌ للتَّحقيق يَا مَن تَطلبُ رؤيَتِي *** أنَا مَنهَجُ الطَّريق وَالكَونُ فِي قَبْضَتِي [8]

فهاته هي الصلاة وهذا هو الثواب وما سوى ذلك مَحضُ خَيَالٍ وَسَرَابٍ، فَيَا سَعَادَةَ مَن “ذَكَرَ اسمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [9]”، وَعَلَى عَدَمِهِ الحَقُّ، تَعالى، بِوُجِودِهِ تجلَّى. اه.


[1جزء من الآية 45 من سورة العنكبوت، وبقيتها:”ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ“.

[2ذكرَ في حَاشِية الصَّاوِي عَلَى الشَّرح الصَّغير، 11، 326.

[3شُعَبُ الْإِيمَانِ لِلْبَيْهَقِيِّ ، فَصْلٌ فِي إِدْمَانِ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ.

[4جزءٌ من الحديث الصحيح الحسن وهو: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ سَلَّامٍ أَبِي الْمُنْذِرِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ، مسند أحمد.

[5تروى هذه الأبيات للعارف بالله سيدي أبي مدين الغوث.

[6وَأَمْرِي بِأَمْرِ اللهِ إِنْ قُلْتُ كُنْ يَكُنْ *** وَكُلٌّ بِأَمْرِ اللهِ فاحْكُمْ بِقُدْرَتِي، بيتٌ من تائية عبد القادر الجيلاني

[7شيخ المؤلف، توفي 1934.

[8ديوان سيدي أحمد العلاوي.

[9سورة الأعلى، الآية 15.

بحث

الأكثر طلب

1.  مَتَى يَا كرامَ الحَيِّ عَينِي تَرَاكمُ؟

2.  خطبة المولد النبوي الشريف لسنة 2013 الموافق لـ 12 ربيع الأنور 1434 هجري

3.  اول خطبة خطَبها رسول الله صلَّى الله عَلَيْهِ وسلّم في المَدينَة المُنَورَة

4.  خطبة المولد النبوي الشريف الجمعة 26 فيفري 2010م 1431هـ

5.  أوراد الطريقة المدنية


على سبيل المثال

1.  الصلاة على النبي، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم
سَفينَة النَّجاة.

2.  مَتَى يَا كرامَ الحَيِّ عَينِي تَرَاكمُ؟

3.  والله ما أنا سالي

4.  محمدٌ، عَبد اللهُ ورسوله، عليه الصلاة والسلام.

5.   صوم شهر رمضان


الأكثر شعبية

1.  مَتَى يَا كرامَ الحَيِّ عَينِي تَرَاكمُ؟

2.  اول خطبة خطَبها رسول الله صلَّى الله عَلَيْهِ وسلّم في المَدينَة المُنَورَة

3.  عَيْنِي لِغَيْرِ جَمالِكُمْ لا تَنْظُــــــرُ

4.  أهل اللهِ رَاهُمْ حَازُوا

5.  الصوفيّة و أذكارهم نقلا وعقلا والذكر باسم الصدر“آه”